ابن بطوطة
14
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
فرددت عليها السلام ، ولم أقف معها ولا التفت إليها ، فلما خرجت أدركني بعض الناس ، وقال لي : إن المرأة التي سلمت عليك هي الخاتون ، فخجلت عند ذلك وأردت الرجوع إليها فوجدتها قد انصرفت فأبلغت إليها السلام مع بعض خدّامها واعتذرت عما كان منّى لعدم معرفتي لها ! ذكر بطيخ خوارزم وبطيخ خوارزم لا نظير له في بلاد الدنيا شرقا ولا غربا إلا ما كان من بطيخ بخاري ، يليه بطيخ إصفهان ، وقشره أخضر ، وباطنه أحمر ، وهو صادق الحلاوة ، وفيه صلابة . ومن العجائب أنّه يقدّد وييبس في الشمس ويجعل في القواصر كما يصنع عندنا بالشّريحة والتّين المالقي « 19 » ، ويحمل من خوارزم إلى أقصى بلاد الهند والصين ، وليس في جميع الفواكه اليابسة أطيب منه ! وكنت أيام إقامتي بدهلي من الهند متى قدم المسافرون بعثت من يشتري لي منهم قديد البطيخ ، وكان ملك الهند إذا أوتي إليه بشيء منه بعث إليّ به لما يعلم من محبّتي فيه ، ومن عادته أنه يطرف الغرباء بفواكه بلادهم ويتفقدهم بذلك . حكاية [ التاجر الكريم ] كان قد صحبني من مدينة السّرا إلى خوارزم شريف من أهل كربلاء يسمى علي بن منصور ، وكان من التجار فكنت أكلّفه أن يشتري لي الثياب وسواها ، فكان يشتري لي الثوب بعشرة دنانير ويقول اشتريته بثمانية ، ويحاسبني بالثمانية ويدفع الدينارين من ماله وأنا لا علم لي بفعله إلى أن تعرفت ذلك على ألسنة الناس ، وكان مع ذلك قد أسلفني دنانير فلمّا وصل إليّ إحسان أمير خوارزم رددت إليه ما أسلفنيه ، وأردت أن أحسن بعده إليه مكافأة لأفعاله الحسنة ، فأبى ذلك وحلف أن لا يفعل ، وأردت أن أحسن إلى فتى كان له اسمه كافور فحلف أن لا أفعل ، وكان أكرم من لقيته من العراقيين . وعزم على السفر معي إلى بلاد الهند ثم إن جماعة من أهل بلده وصلوا إلى خوارزم برسم السفر إلى الصين فأخذ في السفر معهم ، فقلت له في ذلك ، فقال : هؤلاء أهل بلدي
--> ( 19 ) اشتهرت مالقة بتينها الطيّب الذي يستورد منها لأقاصي البلاد ومن هنا تغنّى به أبو الحجاج البلوي : مالقة حييت ياتينها * الفلك من أجلك يأتينها ! ! - المقري : النفح ج 1 ، ص 151 . الكدية : الارتزاق والاستعطاء !