ابن بطوطة

127

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

فركب كل واحد منهما في مركب منفردا عن جيوشه والتقيا في وسط النهر فقبّل السّلطان رجل أبيه ، واعتذر له فقال له أبوه : قد وهبتك ملكي ووليتك ، وبايعه وأراد الرجوع لبلاده ، فقال له ابنه : لا بدّ لك من الوصول إلى بلادي فمضى معه إلى دهلي « 31 » ، ودخل القصر وأقعده أبوه على سرير الملك ، ووقف بين يديه وسمّي ذلك اللّقاء الذي كان بينهما بالنّهر لقاء السعدين ، لما كان فيه من حقن الدماء وتواهب الملك والتجافي عن المنازعة ، وأكثرت الشعراء في ذلك ، وعاد ناصر الدين إلى بلاده . فمات بها بعد سنين وترك بها ذرية منهم غياث الدين بها دور « 32 » الذي أسره السلطان تغلق ، وأطلقه ابنه محمد بعد وفاته ، واستقام الملك لمعز الدين أربعة أعوام بعد ذلك كانت كالأعياد « 33 » . رأيت بعض من أدركها يصف خيراتها ورخص أسعارها وجود معز الدين وكرمه ، وهو الذي بنى الصّومعة بالصحن الشمالي من جامع دهلي ، ولا نظير لها في البلاد . وحكى لي بعض أهل الهند أن معز الدين كان يكثر النكاح والشرب فاعترته علّة أعجز الأطباء دواؤها ويبس أحد شقّيه ، فقام عليه نائبه جلال الدين فيروز شاه الخلجي « 34 » ، بفتح الخاء المعجم واللام والجيم . ذكر السلطان جلال الدين ولما اعترى السلطان معز الدين ما ذكرناه من يبس أحد شقّيه ، خالف عليه نائبه جلال الدين ما ذكرناه من يبس أحد شيّه خالف عليه نائبه جلال الدين وخرج إلى ظاهر المدينة فوقف على تلّ هنالك بجانب قبّة تعرف بقبة الجيشاني ، فبعث معز الدين الأمراء لقتاله ، فكان كل من يبعثه منهم يبايع جلال الدين ، ويدخل في جملته ، ثم دخل المدينة وحصره في القصر ثلاثة أيام . وحدّثني من شاهد ذلك أن السلطان معز الدين أصابه الجوع في تلك الأيام ، فلم يجد ما يأكله ، فبعث إليه أحد الشرفاء من جيرانه ما أقام أوده ، ودخل عليه قصر فقتل ، وولى بعده

--> ( 31 ) قصة تذكر في عدد من نظائرها مع الفارق ، مثلا أبو الحسن المريني مع ابنه أبي عنان عندما رضي الوالد عن ولده وكتب له بولاية عهده - الزركشي : تاريخ الدولتين - ص : 90 . ( 32 ) تملك تحت اسم ناصر تحت اسم شاه بوغره ، وكان مستقلا إلى غاية 690 - 1291 وقد خلّفه أولاده . غياث الدين بها دور الذي سنقرأ تاريخه فيما بعد ، iii 210 - 216 الخ . ( 33 ) يتحدث المؤرخون عن الانغماس في الملذّات والإسراف في الانفاق . . . ( 34 ) جلال الدين فيروز ينتسب لقبيلة الخلج ، من أصل تركي ، بيد أنه أقام كثيرا بأفغانستان في غزنة بالذات فأمسى - نتيجة لذلك - يشعر بأنه أفغاني ، ولهذا فإن وصول جلال الدين للحكم لم ينظر اليه كشيء جميل لا من جانب الأرستقراطية التركية ولا من جانب سكان دهلي .