ابن بطوطة
123
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
ثم إنها اتّهمت بعبد لها من الحبشة « 15 » ، فاتفق الناس على خلعها وتزويجها ، فخلعت وزوجت من بعض أقاربها وولى الملك أخوها ناصر الدين « 16 » . ذكر السلطان ناصر الدين بن السلطان شمس الدّين . ولما خلعت رضية ولّي ناصر الدين أخوها الأصغر ، واستقلّ بالملك مدة ، ثم إن رضية وزوجها خالفا عليه « 17 » ، وركبا في مماليكهما ومن تبعهما من أهل الفساد وتهيأ لقتاله ، وخرج ناصر الدين ومعه مملوكه النائب عنه غياث الدين بلبن متولّى الملك بعده فوقع اللقاء وانهزم عسكر رضية وفرت بنفسها فأدركها الجوع وأجهدها الإعياء ، فقصدت حرّاثا رأته يحرث الأرض ، فطلبت منه ما تأكله فأعطاها كسرة خبز فأكلتها وغلب عليها النوم ، وكانت في زي الرّجال ، فلما نامت نظر إليها الحراث وهي نائمة فرأى تحت ثيابها قباء مرصّعا ، فعلم أنها امرأة فقتلها ، وسلبها وطرد فرسها ودفنها في فدّانه ، وأخذ بعض ثيابها فذهب إلى السوق يبيعها ، فأنكر أهل السوق شأنه وأتوا به الشّحنة « 18 » ، وهو الحاكم ، فضربه ، فأقرّ بقتلها ، ودلّهم على مدفنها فاستخرجوها وغسلوها وكفّنوها ، ودفنت هنالك ، وبنيّ عليها قبّة ، وقبرها الآن يزار ويتبرك به وهو على شاطئ النهر الكبير المعروف بنهر الجون « 19 » على مسافة فرسخ واحد من المدينة . واستقل ناصر الدّين بالملك بعدها واستقام له الأمر عشرين سنة وكان ملكا صالحا ،
--> ( 15 ) الوضع السياسي في دهلي تحكّم فيه ، عند تلك الفترة ، مجلس « الأربعين » عائلة التي تنتمي للأمراء الأتراك الذين كانوا يعارضون منذ البداية إمارة رضية ، فلأجل أن تحتفظ رضية بالتوازن الذي يضمن لها البقاء شجعت دخول مقدم الاصطبلات الإفريقي الحبشي جلال الدين ياقوت للميدان السياسي ، الأمر الذي احدث هو الآخر شرخا جديدا أدى إلى خلع الامبراطورة رضية . ( 16 ) ينبغي أن نقرأ عوض ناصر الدين معزّ الدين بهرام ( 637 - 640 - 1240 - 1242 ) . سيخلف أحد أبناء ركن الدين ، علاء الدين مسعود ( 640 - 664 - 1242 - 1266 ) أما ناصر الدين محمود فإنه سوف لا يأتي إلا بعد تاريخ 644 - 664 - 1246 - 1266 . ( 17 ) الثورة ضد رضية أشعلت من طرف حاكم يسمى اختيار الدين التّونيا الذي أصبح فيما بعد المكلف بحراسة السلطانة السابقة بسجنها ، وبعد ذلك وجدنا ان اختيار الدين - وقد وجد نفسه مبعدا عن السلطة الجديدة التي قامت في دهلي - يقدم على تحرير الملكة من السجن ، ويتزوجها ليحصل على الشرعية وهكذا أخذ طريقه نحو دهلي . لكن جيشه انهزم يوم 23 ربيع الأول 638 - 13 أكتوبر 1240 وقد اغتيلت رضية في اليوم الموالي . . . ( 18 ) الشّحنة تعني على العموم الحاكم العسكري للمدينة ، حيث يكون هو أيضا على رأس الشرطة . ( 19 ) نهر الجون هو ( la yamouna ) وقد وصف هذا القبر وموقعه كذلك من مهدي حسين في كتابه عن محمد بن تغلق - لندن 1938 ص 35 ت تعليق 4 .