ابن بطوطة
11
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
كبار أهل خوارزم ، وبها أيضا زاوية شيخها الصالح المجاور جلال الدين السمرقندي من كبار الصالحين أضافنا بها ، وبخارجها قبر الإمام العلامة أبي القاسم محمود بن عمر الزّمخشري « 12 » وعليه قبّة ، وزمخشر : قرية على مسافة أربعة أميال من خوارزم ، ولما أتيت هذه المدينة نزلت بخارجها وتوجّه بعض أصحابي إلى القاضي الصدر أبي حفص عمر البكري « 13 » ، فبعث إلي نائبه نور الاسلام فسلّم علي ، ثم عاد إليه ثم أتى القاضي في جماعة من أصحابه فسلّم عليّ ، وهو فتى حدث السن ، كبير الفعال وله نائبان أحدهما نور الإسلام المذكور والآخر نور الدين الكرماني من كبار الفقهاء ، وهو الشديد في أحكامه ، القوي في ذات الله تعالى . ولما حصل الاجتماع بالقاضي ، قال لي : إن هذه المدينة كثيرة الزحام ودخولكم نهارا لا يتأتى ، وسيأتي إليكم نور الإسلام لتدخلوا معه من آخر الليل ففعلنا ذلك ونزلنا بمدرسة جديدة ليس بها أحد ، ولما كان بعد صلاة الصبح أتى إلينا القاضي المذكور ، ومعه من كبار المدينة جماعة منهم مولانا همام الدين ومولانا زين الدين المقدسي ، ومولانا رضي الدين يحيى ، ومولانا فضل الله الرّضوي ، ومولانا جلال الدين العمادي ، ومولانا شمس الدين السّنجري إمام أميرها ، وهم أهل مكارم وفضائل ، والغالب على مذهبهم الاعتزال « 14 » لاكنهم لا يظهرونه لأن السلطان أوزبك وأميره على هذه المدينة قطلودمور من أهل السنة . وكنت أيام إقامتي بها أصلّي الجمعة مع القاضي أبي حفص عمر المذكور بمسجده ، فإذا فرغت الصلاة ذهبت معه إلى داره وهي قريبة من المسجد فأدخل معه إلى مجلسه وهو من أبدع المجالس فيه الفرش الحافلة وحيطانه مكسوة بالملفّ وفيه طيقان كثيرة ، وفي كل طاق منها أواني الفضة المموّهة بالذهب والأواني العراقية ، وكذلك عادة أهل تلك البلاد أن يصنعوا في بيوتهم ، ثم يأتي بالطعام الكثير ، وهو من أهل الرفاهية والمال الكثير والرّباع وهو سلف الأمير قطلودمور متزوج بأخت امرأته واسمها جيجا أغا ، وبهذه المدينة جماعة من الوعاظ والمذكّرين أكبرهم مولانا زين الدين المقدسي والخطيب مولانا حسام الدين المشّاطي الخطيب المصقع أحد الخطباء الأربعة الذين لم أسمع في الدنيا أحسن منهم .
--> ( 12 ) محمود الزّمخشري ولد في زمخشر من قرى خوارزم وسافر إلى مكة فجاور بها زمنا فلقب بجار الله ، ثم عاد إلى الجرجانية ، من مدن خوارزم فتوفى بها عام 538 - 1144 من أشهر كتبه الكشّاف في تفسير القرآن وأساس البلاغة ، ومعجم عربي فارسي الخ . وكان معتزليّ المذهب ، شديد الإنكار على المتصوفة . . . ( 13 ) هو حسام الدّين الصدر ( اختصار صدر الدّين على ما يبدو ) وهو يعني هنا قاضي القضاة في شرق فارس وفيما وراء النهر ( transoxiane ) بارتولد : تركستان ص 477 - 485 - 508 . ( 14 ) من الطريف أن نجد ابن بطوطة يتعاطف مع المعتزلة هنا على ما نعرفه من تمسكه بالمذهب السنّي . . .