ابن بطوطة

7

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

نحو مدينة البصرة ولمّا تحصّلت لنا زيارة أمير المؤمنين عليّ عليه السلام ، سافر الركب إلى بغداد ، وسافرت إلى البصرة صحبة رفقة كبيرة من عرب خفاجة « 18 » ، وهم أهل تلك البلاد ، ولهم شوكة عظيمة وبأس شديد ، ولا سبيل للسفر في تلك الأقطار إلّا في صحبتهم ، فاكتريت جملا على يد أمير تلك القافلة شامر بن درّاج الخفاجيّ وخرجنا من مشهد عليّ عليه السلام فنزلنا الخورنق موضع سكنى النعمان ابن المنذر « 19 » وابائه من ملوك بني ماء السماء ، وبه عمارة وبقايا قباب ضخمة ، في فضاء فسيح على نهر يخرج من الفرات ، ثم رحلنا عنه فنزلنا موضعا بقائم « 20 » الواثق ، وبه أثر قرية خربة ومسجد خرب لم يبق منه إلا صومعته ، ثم رحلنا عنه اخذين مع جانب الفرات بالموضع المعروف بالعذار ، وهو غابة قصب في وسط الماء « 21 » يسكنها أعراب يعرفون بالمعادي ، وهم قطّاع الطريق ، رافضيّة المذهب خرجوا على جماعة من الفقراء تأخروا عن رفقتنا فسلبوهم حتّى النّعال والكشاكيل « 22 » ، وهم يتحصّنون بتلك الغابة ويمتنعون بها ممّن يريدهم ، والسباع بها كثيرة ، ورحلنا مع هذا العذار ثلاث مراحل ثم وصلنا مدينة واسط . مدينة واسط مدينة واسط وهي حسنة الأقطار ، كثيرة البساتين والأشجار ، بها أعلام يهدي الخير شاهدهم وتهدى الاعتبار مشاهدهم « 23 » ، وأهلها من خيار أهل العراق ، بل هم خير على

--> ( 18 ) بنو خفاجة ، فرع من القبيلة الشهيرة عقيل بن كعب هاجر إلى ناحية الكوفة في أوائل القرن الخامس الهجري القرن العاشر الميلادي ، معجم قبائل العرب لكحالة . ( 19 ) الخورنق كان قصرا شهيرا قبل ظهور الإسلام يقع على بعد كيلوميتر ونصف من النجف ، وكان منسوبا لملوك الحيرة وخاصة منهم النّعمان بن امرئ القيس أمير الحيرة من قبل ملك الفرس المتوفى سنة 198 ق . ه 431 ميلادية ، وهو الذي بنى أيضا قصر " السدير " وليس النعمان بن المنذر المتوفى سنة 15 ق . ه - 608 . وبعد أن استعمل كمقر إقامة للحكام العرب في الكوفة ، اختفت اثاره نهائيا ، ويظهر أن حديث ابن بطوطة هذا عن الخورنق كان اخر إشعار بوجود معالم هذا القصر الذي طبّقت شهرته الآفاق . ( 20 ) هو المكان الذي يسمى إلى الآن بالقائم . . . ( 21 ) إقليم يقع جنوب الجمهورية العراقية اليوم وهو مغطّى بمستنقع يتوزع فيه نهر الفرات ، في ضفة جميلة جدّا بمناظرها الرائعة المتنوّعة وتعرف تحت اسم ( الجبايش ) و ( الأهوار ) وقد زرتها على متن زورق خاص بمناسبة زيارتي لبغداد في نونبر 1981 بمناسبة مشاركتي في مؤتمر وزراء الثقافة العرب ببغداد ، وإن الذين يعرفون عن وجود واسط على بعد 115 ميلا شرقي النّجف . ويقرءون مع هذا عن حديثه عن غابة القصب قبل أن يصل إلى واسط . . . إن الذين يعرفون ذلك يدركون اضطراب الوصف . . . ( 22 ) الكشاكل جمع كشكول : آنية للشرب يتخذها الفقراء أثناء تنقلاتهم ، ويجمعون فيها أيضا ما يجود به الناس عليهم . وما يزال التعبير معروفا بالمغرب : فلان نصب الكشكول : أي يحتاج إلى عطاء ! ! ( 23 ) واسط عمّرت من لدن الحجّاج بن يوسف الثقفي سنة 84 703 عندما كان واليا على العراق ، تقع منتصف الطريق بين الكوفة والبصرة ، ومن هنا كان اسمها كذلك لأن منها إلى كل واحدة منهما خمسين فرسخا . . . والحديث عن انها مركز علم وفكر متجدد ودائم . . . - معجم البلدان FU'AD SAFAR : Wasit , Baghdad 1945