ابن بطوطة
52
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
وبمدينة شيراز من كبار الفقهاء الشريف مجيد الدين وأمره في الكرم عجيب ، وربّما جاد بكلّ ما عنده وبالثياب التي كانت عليه ويلبس مرقّعة له ، فيدخل عليه كبراء المدينة فيجدونه على تلك الحال فيكسونه ، مرتّبه في كل يوم من السلطان خمسون دينارا دراهم . ثم كان خروجي من شيراز برسم زيارة قبر الشيخ الصالح أبي إسحاق الكازروني بكازرون وهي على مسيرة يومين من شيراز « 159 » ، فنزلنا أول يوم ببلاد الشّول ، وهم طائفة من الأعاجم يسكنون البريّة وفيهم الصالحون . كرامة لبعضهم . كنت يوما ببعض المساجد بشيراز وقد قعدت أتلو كتاب الله عز وجل إثر صلاة الظهر فخطر بخاطري أنه لو كان لي مصحف كريم لتلوت فيه ، فدخل عليّ في أثناء ذلك شابّ وقال لي بكلام قوّي : خذ ! فرفعت رأسي إليه فألقى في حجري مصحفا كريما ، وذهب عنّي فختمته ذلك اليوم قراءة ، وانتظرته لا ردّه له فلم يعد إليّ ، فسألت عنه ، فقيل لي : ذلك بهلول الشّولى ولم أره بعد . ووصلنا في عشىّ اليوم الثاني إلى كازرون فقصدنا زاوية الشيخ أبي إسحاق ، « 160 » نفع الله به ، وبتنا بها تلك الليلة ، ومن عادتهم أن يطعموا الوارد كائنا من كان الهريسة « 161 » المصنوعة من اللحم والقمح والسمن وتؤكل بالرقاق ولا يتركون الوارد عليهم للسّفر حتى يقيم في الضيافة ثلاثة أيام ، ويعرض على الشيخ الذي بالزاوية حوائجه ويذكرها الشيخ للفقراء الملازمين للزاوية ، وهم يزيدون على مائة منهم المتزوّجون ، ومنهم الأعزب المتجرّدون ، فيختمون القرآن ويذكرون الذكر ، ويدعون له عند ضريح الشيخ أبي إسحاق فتقضى حاجته بإذن الله .
--> ( 159 ) تقع كازرون على بعد 55 ميلا ( 20 فزسخا ) غربي شيراز ، أما بلاد الشول فهي شولستان ، وهي التي وردت في مذكرات ماركو بولو تحت اسم ( Cielstan ) كواحدة من " إمارات " فارس ، وتقع شمال غربي شيراز ، وعمرت في القرن السادس الهجري ، الثاني عشر الميلادي من طرف قبائل من أصل كردي أبعدت من لورستان . . . يحتفظ بهذا الاسم اليوم في المدينة الصغيرة التي تحمل اسم شول . وتقع على بعد 33 ميلا شمال غربيّ شيراز ومنطقة شولستان . ( 160 ) هو أبو إسحاق إبراهيم بن شهريار الكازروني المولود سنة 352 963 والمتوفى عام 426 1035 وهو من تلامذة ابن خفيف سالف الذكر ( التعليق ( 150 ) وهو مؤسس الطريقة التي تنسب اليه والمنتشرة من أنطاكية إلى الهند والصين ، وقبره ما يزال موجودا في كازارون . ( 161 ) الهريسة في بلاد المشرق تتألف من خليط من الحنطة بإضافة اللحم المفرم ، طعام يتناوله الصوفية ، وهي غير الهريسة في تونس التي تعني معجون الفلفل الحار ، وهي غير الدشيشة : الصحن الذي كان يقدّمه نبيّ الله إبراهيم إلى ضيوفه ! ! وتتألف كذلك من القمح المدعوس ، يراجع سفر نامه لخسرو علوي ص 87 ت . 1 . د . التازي : القدس والخليل عند الرحالة المغاربة - عمان 1996 .