ابن بطوطة
36
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
العتيق « 120 » وهو من أكبر المساجد ساحة وأحسنها بناء ، وصحنه متّسع مفروش بالمرمر ، ويغسل في أوان الحرّ كل ليلة ويجتمع فيه كبار أهل المدينة كلّ عشية ويصلّون به المغرب والعشاء وبشماله باب يعرف بباب حسن « 121 » يفضي إلى سوق الفاكهة ، وهي من أبدع الأسواق ، وأنا أقول بتفضيلها على سوق باب البريد من دمشق وأهل شيراز أهل صلاح ودين وعفاف وخصوصا نساءها ، وهنّ يلبسن الخفاف ويخرجن متلحّفات متبرقعات ، فلا يظهر منهن شيء ولهن الصّدقات والإيثار ، ومن غريب حالهن أنهن يجتمعن لسماع الواعظ في كلّ يوم اثنين وخميس وجمعة بالجامع الأعظم ، فربّما اجتمع منهن الألف والألفان بأيديهن المراوح يروّحن بها على أنفسهنّ من شدّة الحرّ ، ولم أر اجتماع النساء في مثل عددهنّ في بلدة من البلاد ! وعند « 122 » دخولي إلى مدينة شيراز لم يكن لي همّ الا قصد الشيخ القاضي الامام قطب الأولياء فريد الدهر ذي الكرمات الظاهرة مجد الدين إسماعيل بن محمد بن خذاداد « 123 » ، ومعنى خذاداد : عطيّة الله فوصلت إلى مدرسته المجديّة المنسوبة اليه ، وبها سكناه وهي من عمارته فدخلت إليه رابع أربعة من أصحابي ، ووجدت الفقهاء وكبار أهل المدينة في انتظاره فخرج إلى صلاة العصر ومعه محبّ الدين وعلاء الدين ابنا أخيه : شقيقه روح الدين « 124 » أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله ، وهما نائباه في القضاء لضعف بصره وكبر سنّه فسلمت عليه ، وعانقني وأخذ بيدي إلى أن وصل إلى مصلّاه فأرسل يدي ، وأوما إليّ أن أصلّي
--> ( 120 ) أسس هذا المسجد العتيق من لدن ملك سيجستان عمرو بن ليث الصفّار ( ت 289 920 ) الذي كان يملك أيضا إقليم فارس الذي يقع جنوب إيران شرقي إقليم بوشهر وغربي إقليم هرمز وهو ثاني أمراء الدولة الصفّارية ، ولى بعد وفاة مؤسس الدولة أخيه يعقوب بن الليث وأقره المعتمد العباسي على أعمال أخيه كلها . . . له ترجمة حافلة . . . ( 121 ) لم نقف على باب حسن هذا في مصدر آخر من المصادر التي تحدثت عن شيراز . . . وممّا يذكر هنا أن جامع دمشق يحتوي على باب يحمل نفس الاسم وينفتح على سوق . ( 122 ) من الطريف أن نجد المؤرخ الإيراني حمد الله مستوفي الذي كان قريبا من عصر ابن بطوطة يعجب هو الآخر بظاهرة تثقيف نساء شيراز . . . وبينما يتحدث ابن بطوطة عن مسجد شيراز بأنه تحفة يتحدث حمد الله على أنه كان متاكلا صائرا إلى الخراب . ( 123 ) سلفت ترجمة مجد الدين إسماعيل في التعليق رقم 111 . ( 124 ) في سنة 727 1327 كان عمر مجد الدّين نحو 50 سنة وكان النائبان الاثنان له أخويه : شرف الدين وروح الدين اللذين توفيا على التتابع عام 732 1332 و 735 1335 ، وهكذا فإن أبناء هذا الأخير هم الذين خلفوه ، الامر الذي يجعل لقاء ابن بطوطة تمّ عام 747 1347 عند عودته إلى المغرب . . . ، والإشارة إلى السن العالي للقاضي الذي لم يكن له عام 727 1327 إلا خمسا وخمسين سنة ، يشهد أيضا لهذا التعقيب والجدير بالذكر أن الأخوين اللذين كانا يساعدان مجد الدّين هما على ما يبدو ، سراج الدين مكران ( ت 1332 ) وروح الدّين إسحاق ( ت 1355 ) وفي تاريخ لاحق وجدنا محبّ الدّين محمد ابن مكران وعلاء الدّين محمد ابن إسحاق هما اللذان يساعدان مجد الدين لما تقدّم سنّة .