ابن بطوطة

26

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

وفي تلك السنة توفيّ ، وولى ابنه أتابك يوسف ، عشرة أعوام « 87 » ، ثم ولى أخوه أفراسياب ، ولما دخلت مدينة إيذج أردت رؤية السلطان أفراسياب المذكور فلم يتأت لي ذلك بسبب أنه لا يخرج إلّا يوم الجمعة لإدمانه على الخمر ، وكان له ابن هو وليّ عهده وليس له سواه فمرض في تلك الأيام ، ولمّا كان في إحدى الليالي أتاني أحد خدّامه وسألني عن حالي فعرّفته وذهب عنّي ، ثم جاء بعد صلاة المغرب ومعه طيفوران كبيران ، أحدهما بالطعام والآخر بالفاكهة ، وخريطة فيها دراهم ومعه أهل السماع بآلاتهم ، فقال : اعملوا السماع حتى يرهج الفقراء ويدعون لابن السلطان ، فقلت له : إن أصحابي لا يدرون بالسماع ولا بالرقص « 88 » ، ودعونا للسلطان ولولده ، وقسمت الدراهم على الفقراء ، ولما كان نصف الليل سمعنا الصراخ والنواح ، وقد مات المريض المذكور « 89 » ، ولما كان الغد دخل عليّ شيخ الزاوية وأهل البلد ، وقالوا : إن كبراء المدينة من القضاة والفقهاء والأشراف والأمراء قد ذهبوا إلى دار السلطان للعزاء فينبغي لك أن تذهب في جملتهم فأبيت عن ذلك ، فعزموا عليّ ، فلم يكن لي بدّ من المسير ، فسرت معهم فوجدت مشور « 90 » دار السلطان ممتلئا رجالا وصبيانا من المماليك وأبناء الملوك والوزراء والأجناد وقد لبسوا التّلاليس وجلال الدوابّ ، وجعلوا فوق رؤسهم التراب والتبن ، وبعضهم قد جزّ ناصيته ، وانقسموا فرقتين : فرقة بأعلى المشور وفرقة بأسفله ، وتزحف كلّ فرقة إلى جهة الأخرى وهم ضاربون بأيديهم على صدورهم « 91 » قائلون : خوند كارما ، ومعناه مولاي أنا فرأيت من ذلك امرا هائلا ومنظرا فضيحا لم أعهد مثله .

--> ( 87 ) يوجد هنا أيضا بعض الارتباك حيث إن الأمير نصرت الدين أحمد توفى عام 1333 والجوبان ( شوبان ) كان قتل عام 1328 . دخول يوسف للحكم كان يختلف بين 1330 وتاريخ 1333 ، ومن الممكن أن يكون مساعدا في بعض السنوات حيث إنه حسب رسائل فضل الله رشيد الدين كان ينعت قبل هذا باتابك يوسف شاه ملك لورستان " . هذا ومعنى يرهج : يهيج بعضهم بعضا . ( 88 ) يقارن موقف ابن بطوطة هنا حول الموسيقى بموقفه منها وهو يصحب معه في بعض أسفاره عددا من المغنيين ليسمعوه النوبات المطربة بالرغم مما نقرأه في رسالة ابن أبي زبد القيرواني - يراجع ج III ص 437 . ( 89 ) حول أسرة افراسياب - انظر B . Spuleter , Hazaraspides , Enscyc de l'Islam . ( 90 ) كلمة ( المشور ) مغربية أصلا الساحة التي تتم فيها مشورة رجال الدولة ، وما يزال الاستعمال سائدا في المغرب يطلق على حرم القصر الملكي ، ولا يوجد استعمال " لهذه الكلمة في المشرق - والتلاليس جمع تلّيس وهو استعمال مغربي يعني الأكياس الكبرى المصنوعة من الدوم مثلا لوضع الحبوب والبضاعات الثقيلة ويجعل التليس عادة على ظهر الدّابة . . . ( 91 ) يلاحظ على ابن بطوطة دهشته من الطريقة التي يعبّر بها سكان تلك الجهات عن أساهم . . . وقد حضرت مثل هذه المشاهد أثناء مقامي بالعراق وخاصة ليلة عاشوراء كما حضرتها في تهران بمناسبة وفاة الشيخ الطالقاني عام 1979 رحمه الله ، هذا وان كلمة خوندكار Khundikar تشبه الكلمة الفارسية خاواندگار وتعنى سيدي ، مولاي ، أمّا كلمة ما فتعني ياء المتكلم أو نونه ، هذا وترسم النسخ كلمة فضيح وليس فظيع كما يوجد في بعض النسخ المنشورة !