ابن بطوطة

22

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

والفواكه بتستر كثيرة ، والخيرات متيسّرة غزيرة ، ولا مثل لأسواقها في الحسن ، وبخارجها تربة معظّمة يقصدها أهل تلك الأقطار للزيارة وينذرون لها النذور ، ولها زاوية بها جماعة من الفقراء ، وهم يزعمون أنها تربة زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب « 77 » . وكان نزولي من مدينة تستر في مدرسة الشيخ الامام الصالح المتفنّن شرف الدين موسى بن الشيخ الصالح الامام العالم صدر الدّين سليمان ، وهو من ذريّة سهل ابن عبد الله ، وهذا الشيخ ذو مكارم وفضائل ، جامع بين العلم والدين والصلاح والايثار ، وله مدرسة وزاوية ، وخدّامها فتيان له أربعة : سنبل وكافور ، وجوهر وسرور ، أحدهم موكّل بأوقاف الزاوية ، والثاني متصرّف فيما يحتاج إليه من النفقات في كل يوم والثالث خديم السّماط بين أيدي الواردين ومرتّب الطعام لهم ، والرابع موكل بالطبّاخين والسقّائين والفرّاشين ، فأقمت عنده ستّة عشر يوما فلم أر أعجب من ترتيبه ، ولا أرغد من طعامه يقدّم بين يدي الرجل ما يكفي الأربعة من طعام الأرز المفلفل المطبوخ في السّمن والدجاج المقليّ والخبز واللحم والحلواء . وهذا الشيخ من أحسن الناس صورة ، وأقومهم سيرة ، وهو يعظ الناس بعد صلاة الجمعة بالمسجد الجامع ولمّا شاهدت مجالسه في الوعظ صغر لدى كلّ واعظ رأيته قبله بالحجاز والشام ومصر ، ولم ألق فيمن لقيتهم مثله ، حضرت يوما عنده ببستان له على شاطئ النهر وقد اجتمع فقهاء المدينة وكبراؤها وأتى الفقراء من كل ناحية ، فأطعم الجميع ثم صلّى بهم صلاة الظهر ، وقام خطيبا وواعظا بعد أن قرأ القرّاء أمامه بالتلاحين المبكّية ، والنغمات المحرّكة المهيجة ، وخطب خطبة بسكون ووقار ، وتصرّف في فنون العلم من تفسير كتاب الله وايراد حديث رسول الله والتكلم على معانيه ، ثم ترامت عليه الرّقاع من كل ناحية . ومن عادة الأعاجم أن يكتبوا المسائل في رقاع ويرمونها إلى الواعظ فيجيب عنها « 78 » فلمّا رمي إليه بتلك الرقاع جمعها في يده وأخذ يجيب عنها واحدة بعد واحدة بأبدع جواب وأحسنه وحان

--> ( 77 ) عليّ زين العابدين الامام الرابع من الأئمة الاثني عشر ، وقد توفي بالمدينة عام 94 712 ودفن بها . . . أحصى بعد موته عدد من كان يقوتهم سرّا فكان نحو مائة بيت . وذكر الهروي أن ( تستر ) تحتضن قبر محمد بن جعفر الصادق ( 78 ) عرفت هذه العادة الحميدة في ديار المشرق وتحدث عنها ابن جبير وهو يحضر في بغداد مجلس ابن الجوزي ( ص 11 - 12 ) ولقد استمرت هذه العادة في تلك الجهات ، وقد حضرت شخصيّا أحد المجالس العلمية في مدينة سيؤون من حضر موت في ربيع الأول 1413 شتنبر 1992 حيث كان عريف المجلس يجمع الأوراق المكتوبة ويقدّمها للشيخ ، ولا يقبل سؤالا شفويا . ! ! هذا ولم نقف على ترجمة لشرف الدّين موسى . . .