ابن بطوطة
91
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
بين ماركو بولو وابن بطوطة لقد اقترن الحديث عن ماركو بولو البندقي بالحديث عن ابن بطوطة الطنجي لدى كل الذين اهتموا بالرحالة ، وخاصة عند علماء الغرب ، « 1 » وقد كان من حقّهم أن يفعلوا ، فإن الأول هو الذي قصد - قبل نحو من ستين سنة من تحرك ابن بطوطة ، بلاد الشرق الأقصى وسجلت مذكراته التي كانت محل تعليق واسع . . . لكنّ الملاحظ أنّ رحلة ابن بطوطة اتسع فضاؤها أكثر مما كان الأمر بالنسبة لرحلة ماركو بولو علاوة على الحصيلة العلمية التي كانت تختلف من الواحد إلى الآخر . . . وهكذا فإذا كان ابن بطوطة قد حقق رحلته وحيدا ، وإذا كان محرر رحلته ابن جزي كان يقتصر على إضافات محدودة وموثقة ، فإن محرر رحلة ماركو بولو روستيشيلو ( RUSTICHELLO ) كان يضيف من خياله على ما لاحظه بعض المعقّبين وخاصة عند الحديث عن الصين « 2 » . . . يضاف إلى كل هذا أن رحلة الأول اقتصرت على آسيا دون إفريقيا وأوروبا . . . ومعنى هذا أن الجمهور الذي عرف عن الرحالة المغربي كان أوسع من جمهور ماركوبولو . وفي معرض اعتزاز ابن بطوطة بطول نفسه في الرحلة ، واتساع رقعة منهاجه في التجوال ذكر أنه يفوق السائح المصري الشيخ عبد اللّه الذي لم يدخل لا إلى الصّين ولا إلى جزيرة سرنديب ولا المغرب ولا الأندلس ولا بلاد السودان . وأعتقد أنه لو قدر لابن بطوطة أن يجتمع بماركو بّولو لعلّق بمثل ذلك التعليق ، إذ إننا عرفنا أن الأراضي التي زارها الرحالة المغربي كانت تفوق كثيرا وكثيرا ما قطعه ماركو بّولو . وقد تفوق رحالة طنجة على رحالة البندقية بشيء أهمّ وهو أنه استطاع أن يمتزج مع سكان البلاد التي وصلها عن طريق المصاهرات ، وعن طريق الوظائف السامية التي تقلدها والاتصالات التي كان يجريها مع مختلف الأوساط ، الأمر الذي كان يرضي فضوله وتطلعاته المتنوعة والمتجددة في ذات الوقت . ويكفي - لكي نعرف حجم الرجلين ونعرف مع هذا مدى رصيد الجانب المعرفي لكلا العملين - يكفي أن نقوم بجرد لعدد الأسماء الجغرافية التي وردت عند هذا وذاك ، وأن نعدّ الأعلام الشخصية التي جاءت في مذكرات الأول والثاني ، يكفي ذلك لنخلص إلى الإشادة بذاكرة الرحالة المغربي التي استطاعت أن تختزن كل تلك الأسماء جغرافيا وانسانيا ، وأن تحتفظ بشكلها وضبطها ومواقعها بالرغم من العدوان الذي وقع على مذكراته . إن كل ذلك الاستظهار وذلك الاستيعاب كان فوق طاقة البشر حقّا . وحتى جانب الاتحاف والإطراف في كلا الرحلتين كان يبرز ، دون تردد ، تفوق ابن بطوطة . وقد مر ويمر بنا
--> ( 1 ) Jacques HEERS : MARCO POLO , FAYARD - 1983 ( 2 ) FRANCES WOOD : DID MARCO POLO GO TO CHINA - LONDON 1995 كراتشوفسكي : تاريخ الأدب الجغرافي العربي - ص 456 د . التازي : منطقة الخليج بين ماركو بولو وابن بطوطة - بحث قدم للندوة الدولية التي نظمها مركز جمعة الماجد ، دبي - الإمارات العربية المتحدة . أبريل 1996 .