ابن بطوطة
87
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
أهلة بالعلم في القرنين السادس والسابع الهجري ويقع التأليف في مجلد ضخم على ما أخبره به بعض علماء الإقليم . . . وقد كان مما لفت النظر في الرحلة أنّ ابن بطوطة - بالرغم مما تقلب فيه من وظائف وما مرّ به من ظروف - لم ينس المغرب الذي ظل أمام مخيلته وبين سمعه وبصره . وحتى نعرف درجة الحسّ الوطني للرجل لا بد أن نلاحظ تصيّده الفرصة لذكر المغرب ، فهو يفيدنا أن المغاربة شاركوا ضد هجوم القرامطة على الكعبة ، وهي الحقيقة التي نجد لها صدى في المصادر القديمة للتّاريخ الدّولي للمغرب . . . ولم ينس أن يقارن بين ( الصقورة ) في المغرب وبين ( سيربيدار ) في فارس . . . ولم ينس أن يقارن بين نظام " الفيلات " في الصين ومثيلاتها في سجلماسة ! ! بل وبين قطع الأسطول والأجفان بالمغرب وعددها في الصين . . . سواء منها الغزوية أو السّفرية ، أو الحربية والتجارية بالمصطلح الحديث . ولقد علقت بمخيلته صور الأودية الكبرى بالمغرب ، فهو يقارن وادي سلا ، بنهر مدينة إصطنبول . . . ولا يفوته أن يذكر بأنه يدّخر مذكراته التي يكتبها ليفيد بها مواطنيه بالمغرب . . . وعند ذكر الطيور وعند حضور الأسماك ، وعند رؤيته للأواني الخزفية التي تقدم إليه ، لا بد أن يعتزّ بالخزف الذي تصنعه الأيادي المغربية . وحتى في شكل الخصومات والمرافعات نجده يقارن بين شكلها ونوعها في بلاده الأصلية وفي الأماكن التي كان يتجول فيها . . . ويلاحظ أن الرجل كان في مستوى ما تنعم به بلاده من ذكر جميل ولا بد أن نحضر معه ذات يوم خروجه للأسواق ليقتني الملابس المناسبة لرحلة صيد دعاه إليها السلطان . إنه كان يريد " أن يظهر القوة والهمة " . . . لقد كان حريصا على أن يمثل بلاده أحسن تمثيل إذ كان عظيم الاعتزاز بهويته المغربية في البلاط الهندي . وهو الأمر الذي ما يزال مثقفو الهند يذكرونه إلى اليوم ، لقد كان يعلم أن بلاده ، في ذلك العهد ، كانت على وضع ممتاز ، وأحسن على كلّ حال من وضع تلك الجهات ، ولذلك فإنه كان يجيب عندما يسأل عن أصله : بأنه ينتسب إلى بلد أصيل اثيل وفي هذا الصدد لابد أن نلفت النظر إلى نوع من المقارنات الطريفة والدالة على الحسّ الاقتصادي والتجاري الذي كان يتوفر عليه ، والذي يعبر عن شمولية شخصيته واكتمالها : قضية تتبّعه للأسعار وتتبّعه للمكاييل والمعايير والموازين ، وقيمة العملات حتى لكأنك مصحوبا بجريدة تطلعك على أسعار ما يجري في السوق . وهكذا لم يكن الرحالة رجل فقه وأحكام وأوراق ، ولكنه رجل مطلع على كل شيء . فقد بدا مهتما بقضايا الصرف والمقارنة بين العملة في المغرب وغيره ، عندما كان بمصر والبصرة ، وتركيا . . . والهند ، وكذلك المقارنة بين الرطل بالمغرب والمنّ في الجهات