ابن بطوطة
79
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
3 ) ابن جزي وتأتي الشخصية الثالثة التي كان سبب ظهورها على الساحة حدثا وقع على سبيل الصدفة ! ويتعلق الأمر بأبي عبد اللّه محمد بن أبي القاسم محمد بن أحمد بن جزي المولود بغرناطة سنة 721 - 1321 . لقد اجتمع هذا الرجل بالرحالة المغربي في غرناطة ، وبالضبط في بستان أبي القاسم ابن عاصم حيث انتظم لقاء نزهة جمع عددا من وجوه العاصمة الأندلسية ، ووجدنا أن ابن جزي يعرب عن ارتياحه للاستمتاع بأخبار رحلة ابن بطوطة ، ولم يتردد في الاعتراف بأنه قيّد عنه في ذلك البستان أسماء الأعلام الذين لقيّهم ابن بطوطة في الرحلة ، وأنه استفاد منه فوائد عجيبة . . . " وبهذه المناسبة سأل ابن بطوطة عن مولده فأخبره بأنه ولد بطنجة يوم الاثنين 17 " رجب 703 « 5 » . ولا ننسى أنّ ابن جزي هذا كان على ذلك العهد في خدمة أبي الحجاج يوسف ابن الأحمر النصري ملك غرناطة الذي كان يطرب لأدب الكاتب وفكاهته « 6 » . . . " وإذا أراد اللّه أمرا هيّأ له أسبابه " كما يقولون . فقد حدث أن تعرض ابن جزي لظلم لحقه من ملكه أبي الحجاج في أعقاب وشاية آثمة ، ولم يتحمل ابن جزي إهانة السوط فالتحق بالمغرب « في آخر عام ثلاثة وخمسين » حيث وجد من السلطان أبي عنان ما كان يرجوه . . . وقد كان ابن جزي في صدر الذين قالوا الشعر في " الزاوية العظمى " « 7 » التي بناها السلطان أبو عنان على ضفاف وادي الجواهر . وقد شرع في تأليف حول تاريخ غرناطة . وقف لسان الدين أبى الخطيب على بعض أجزائه عام 755 - 1354 بمناسبة سفارته لدى السلطان أبي عنان . وعندما قرّر السلطان أبو عنان استنساخ رحلة ابن بطوطة لم يجد في مجلسه أفضل من الكاتب ابن جزي صاحب الخط الرفيع البديع سيّما وأنه قام - على ما أسلفنا - بالخطوات الأولى وهو في غرناطة ، وهكذا امتثل الأمر على ما كان به من علة لم تمهله . وهكذا كتب لابن جزي أن يستمر ذكره عبر الأرجاء رغم عمر قصير لم يتجاوز ستّا وثلاثين سنة « 8 » . . .
--> ( 5 ) رحلة أبى بطوطة ( 13 , I ) . ( 6 ) ابن الخطيب : الإحاطة ، تحقيق عبد اللّه عنان 1394 - 1974 ج 2 ، ص 256 . ( 7 ) حول الزاوية العظمى وشعره فيها انظر المقري : أزهار الرياض ج 3 ص 196 طبع المملكة المغربية وصندوق إحياء التراث الإسلامي المشترك بالإمارات العربية المتحدة 1398 - 1978 . وانظر ابن الحاج النّميري في كتابه فيض العباب ص 206 وما بعدها . . . دار الغرب الإسلامي ، بيروت 1990 . ( 8 ) توفي ابن جزي يوم 29 شوال 757 ، ودفن وراء الجدار الشرقي للجامع الأعظم بفاس الجديد ، هذا ويذكر أن لابن جزي شعرا في صراع الأسد مع الثور ، ( المصدر السابق ) 3 ، 194 . كما نذكر من شعره قصيدة طويلة لم يستعمل فيها حرف الراء ، ابن حجر : الدرر الكامنة 1395 - 1966 .