ابن بطوطة
425
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
على عادة النّقباء ببلاد العراق . فغلبت عليه الدنيا وترك العبادة والزهد وتصرف في الأموال تصرفا قبيحا فرفع أمره إلى السلطان ، فلما علم بذلك أعمل السفر مظهرا أنه يريد خراسان قاصدا زيارة قبر علي بن موسى الرّضى « 11 » بطوس ، وكان قصده الفرار . فلما زار قبر علي بن موسى قدم هراة وهي آخر بلاد خراسان ، وأعلم أصحابه أنه يريد بلاد الهند فرجع أكثرهم عنه وتجاوز هو أرض خرسان إلى السند فلما جاز وادي السند المعروف ببنج آب ، ضرب طبوله وأنفاره ، فراع ذلك أهل القرى وظنوا أن التتر أتو للإغارة عليهم ، وأجفلوا إلى المدينة المسمّاة بأوجا ، وأعلموا أميرها بما سمعوه فركب في عساكره واستعدّ للحرب وبعث الطلايع فرأوا نحو عشرة من الفرسان وجماعة من الرجال والتجار ممن صحب الشريف في طريقه ، معهم الأطبال والأعلام ، فسألوهم عن شأنهم ، فأخبروهم أن الشريف نقيب العراق أتى وافدا على ملك الهند فرجع الطلايع إلى الأمير . وأخبروه بكيفية الحال ، فاستضعف عقل الشريف لرفعه العلامات وضربه الطبول في غير بلاده ! ودخل الشريف مدينة أوجا وأقام بها مدة تضرب الأطبال على باب داره غدوة وعشية ، وكان مولعا بذلك . ويذكر أنه كان في أيام نقابته بالعراق تضرب الأطبال على رأسه فإذا أمسك النقار عن الضرب ، يقول له : زد نقيرة يا نقار ! حتى لقب لذلك . وكتب صاحب مدينة أوجا إلى ملك الهند بخبر الشريف وضربه الأطبال بالطريق وعلى باب داره غدوة وعشيا ورفعه الأعلام ، وعادة أهل الهند أن لا يرفع علما ولا يضرب طبلا إلا من أعطاه الملك ذلك ، ولا يفعله إلا في السفر وأما في حال الإقامة فلا يضرب الطبل إلا على باب الملك خاصة بخلاف مصر والشام والعراق فإن الطبول تضرب على أبواب الأمراء ، فلما بلغ خبره إلى ملك الهند كره فعله وأنكره وفعل في نفسه . ثم خرج الأمير إلى حضرة الملك وكان الأمير كشلوخان ، والخان عندهم أعظم الأمراء ، وهو الساكن بملتان كرسي بلاد السند ، وهو عظيم القدر عند ملك الهند يدعوه بالعمّ لأنه كان ممن أعان أباه السلطان غياث الدين تغلق شاه على قتال السلطان ناصر الدين خسروشاه ، قد قدم على حضرة ملكة الهند فخرج الملك إلى لقائه ، فاتفق أن كان وصول الشريف في
--> ( 11 ) ضريح الإمام عليّ الرّضى يوجد بمدينة مشهد . . . وهو الامام الثامن ، على ما هو معروف ، وهو مشهد عظيم ، زرته لثاني مرة أوائل يونيه 1996 صحبة ولدي يسر فرأيت الفرق الشاسع إزاء زيارتي عام 1970 التي وصلت فيها قبر عمر الخيام - بنج آب وأوجا من ملتان على نهر الهند وسيأتي الحديث عنهما مفصّلا . . .