ابن بطوطة
411
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
وفي هذه السنة ذكر اسم السلطان أبي سعيد ملك العراق على المنبر وقبّة زمزم . ذكر الانفصال عن مكة شرفها اللّه تعالى وفي الموفى عشرين لذي الحجة « 236 » خرجت عن مكة صحبة أمير ركب العراق البهلوان « 237 » محمد الحويح بحاءين مهملين ، وهو من أهل الموصل ، وكان يلي إمارة الحاج بعد موت الشيخ شهاب الدين قلندر ، وكان شهاب الدين سخيا فاضلا عظيم الحرمة عند سلطانه يحلق لحيته وحاجبيه على طريقة القلندرية ، ولما خرجت من مكة ، شرّفها اللّه تعالى ، في صحبة الأمير البهلوان المذكور اكترى لي شقّة محارة « 238 » إلى بغداد ، ودفع إجارتها من ماله ، وأنزلني في جواره . وخرجنا بعد طواف الوداع إلى بطن مرّ في جمع من العراقيين والخراسانيين والفارسيين والأعاجم لا يحصى عديدهم ، تموج بهم الأرض موجا ويسيرون سير السحاب المتراكم ، فمن خرج عن الركب لحاجة ، ولم تكن له علامة يستدل بها على موضعه ، ضلّ عنه لكثرة الناس . وفي هذا الركب نواضح كثيرة لأبناء السبيل يستقون منها الماء وجمال لرفع الزاد للصدقة ورفع الأدوية والأشربة والسكر لمن يصيبه المرض ، وإذا نزل الركب طبخ الطعام في قدور نحاس عظيمة تسمى الدّسوت ، وأطعم منها أبناء السبيل ومن لا زاد معه . وفي الركب جملة من الجمال يحمل عليها من لا قدرة له على المشي ، كل ذلك من صدقات السلطان أبي سعيد ومكارمه « 239 » .
--> ( 236 ) هذا التاريخ يوافق 17 نونبر 1326 . ( 237 ) كلمة ( البهلوان ) من أصل فارسي وتعني في الأصل البطل المغوار - عن القلندرية راجع ابن بطوطة وهو يتحدث عن دمياط I ، 61 . . . وراجع دائرة المعارف الإسلامية ( 238 ) المحارة تعني الهودج المزدوج ، والشقة : الجانب أو القسم من المحارة وهو من التّعابير الغريبة في الرحلة يعني خصص له نصفا من محفّة تسع نفرين وقد ترجمها گيب The Half of double litter وترجمها الاثنان ' ' la moitier d , une double litiere ' ' : D . S ( 239 ) هذه معلومة تستحق أن نقف عندها لنعرف عن إسهام القادة المسلمين في توفير الحماية الطبية للقوافل التي يتألف منها الحجاج بصرف النظر عن جنسياتهم وانتسابهم لأية جهة ! فها نحن نرى أن المطايا تحمل الزاد والدواء وذلك على نفقة السلطان أبي سعيد بها دورخان بن محمد خذا بنده سلطان العراق مما يشبه اليوم ما نسمّيه بالمستشفيات المتنقلة . . .