ابن بطوطة
395
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
رجالا ونساء والراقصات ، وكلهم مماليك السلطان ، والقبة مزينة بثياب الحرير المذهب ، أعلاها وأسفلها وداخلها وخارجها ، وفي وسطها ثلاثة أحواض من جلود الجواميس مملوءة ماء قد حل فيه الجلّاب يشربه كل وارد وصادر لا يمنع منه أحد ، وكل من يشرب منه يعطي بعد ذلك خمس عشرة ورقة من أوراق التنبول والفوفل والنورة « 203 » فيأكلها فتطيب نكهته وتزيد في حمرة وجهه ولثاته ، وتقمع عنه الصفراء ، وتهضم ما أكل من الطعام ، ولما ركب الشيخ سعيد على الفيل فرشت له ثياب الحرير بين يدي الفيل يطأ عليها الفيل من باب المدينة إلى دار السلطان ، وأنزل بدار تقرب من دار الملك وبعث له أموالا طائلة ، وجميع الأثواب المعلقة والمفروشة بالقباب والموضوعة بين يدي الفيل لا تعود إلى السلطان بل يأخذها أهل الطرب وأهل الصناعات الذين يصنعون القباب وخدام الأحواض وغيرهم ، وهكذا فعلهم متى قدم السلطان من سفر ، وأمر الملك بكتاب الخليفة أن يقرأ على المنبر بين الخطبتين في كل يوم جمعة وأقام الشيخ سعيد شهرا ثم بعث معه الملك هدايا إلى الخليفة فوصل كنبايت ، وأقام بها حتى تيسرت أسباب حركته في البحر ، وكان ملك الهند قد بعث أيضا من عنده رسولا إلى الخليفة وهو الشيخ رجب البرقعي أحد شيوخ الصوفية ، وأصله من مدينة القرم « 204 » من صحراء قبجق « 205 » ، وبعث معه هدايا الخليفة منها حجر ياقوت قيمته خمسون ألف دينار وكتب له يطلب منه أن يعقد له النيابة عنه ببلاد الهند والسند أو يبعث لها سواه من يظهر له ، هكذا نص عليه كتابه اعتقادا منه في الخلافة وحسن نية . وكان للشيخ رجب أخ بديار مصر يدعى بالأمير سيف الدين الكاشف ، فلما وصل رجب إلى الخليفة أبي أن يقرأ الكتاب ويقبل الهدية طلا بمحضر الملك الصالح إسماعيل بن الملك « 206 » الناصر ، فأشار سيف الدين على أخيه رجب ببيع الحجر ، فباعه واشترى بثمنه وهو ثلاثمائة ألف درهم أربعة أحجار ، وحضر بين يدي الملك الصالح ، ودفع له الكتاب وأحد الأحجار ، ودفع سائرها لأمرائه ، واتفقوا على أن يكتب لملك الهند بما طلبه فوجهوا الشهود إلى الخليفة وأشهد على نفسه أنه قدمه نائبا عنه ببلاد الهند وما يليها وبعث الملك الصالح
--> ( 203 ) القصد إلى نواة شجر الفوفل ( Arequier ) وشجر النّورة ( Cuaux ) ويلاحظ أن هذه ثاني مرة يذكر فيها ابن بطوطة ( التنبول ) بعد أن كانت الأولى وهو في بلاد الشام . . ( 204 ) القرم كما يضبطها ابن بطوطة أو قرم ( Quirim ) ، وهي اليوم : ( Stary Krim ) وفي داخل القرم كان مقام حاكم المغول على ذلك العهد . ( 205 ) قبجق هو الاسم الذي يعطيه الجغرافيون المسلمون لجنوب الروسيا باسم القبيلة التركية ( قفجاق ) . ( 206 ) تملك الملك الصالح إسماعيل من 742 إلى 754 - 1342 - 1345 .