ابن بطوطة
389
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
أشياء منها : وأن لا أردّ من بيتي مسكينا خائبا ، وكان ذلك آخر كلامه ، فكنت أعجب من قوله ، وأقول في نفسي : كيف يقول هذا ويقدر عليه مع كثرة فقراء مكة واليمن والزيالعة والعراق والعجم ومصر والشام ، وكنت أراه حين ذلك لا بسا جبّة بيضاء قصيرة من ثياب القطن المدعوة بالفشطان ، « 190 » كان يلبسها في بعض الأوقات ، فلما صليت الصبح غدوت عليه وأعلمته برؤياي فسرّ بها وبكى ، وقال لي : تلك الجبة أهداها بعض الصالحين لجدي فأنا ألبسها تبركا ، وما رأيته بعد ذلك يرد سائلا خائبا ، وكان يأمر خدامه يخبزون الخبز ويطبخون الطعام ويأتون به إليّ بعد صلاة العصر من كل يوم . وأهل مكة لا يأكلون في اليوم إلا مرّة واحدة بعد العصر ويقتصرون عليها إلى مثل ذلك الوقت ، ومن أراد الاكل في سائر النهار أكل التمر ولذلك صحت أبدانهم وقلّت فيهم الأمراض والعاهات . وكان الشيخ خليل متزوجا بنت القاضي نجم الدين الطبري فشكّ في طلاقها وفارقها وتزوجها بعده الفقيه شهاب الدين النّويري « 191 » من كبار المجاورين وهو من صعيد مصر وأقامت عنده أعواما ، وسافر بها إلى المدينة الشريفة ومعها أخوها شهاب الدين فحنث في يمين بالطلاق ففارقها على ضنانته بها ، وراجعها الفقيه خليل بعد سنين عدة . ومن أعلام مكة إمام الشافعية شهاب الدين ابن البرهان ، ومنهم إمام الحنفية شهاب الذين أحمد بن علي « 192 » من كبار أئمة مكّة وفضلائها يطعم المجاورين وأبناء السبيل ، وهو أكرم فقهاء مكة ، ويدان في كل سنة أربعين ألف درهم وخمسين ألفا فيؤديها اللّه عنه ، وأمراء
--> ( 190 ) النسخ المعتمدة لدينا ترسم الكلمة هكذا ( الفشطان ) وعوضها توجد في نسخة أخرى القفطان الكلمة التي يستعملها المغاربة ويستغرب دوزي أولا من ارتداء الرجال للفشطان ثانيا من وجود لفظ تركي ( فستان ) بمكة على ذلك العهد ، أي قبل وصول العثمانيين لتلك الجهات . ولا أرى وجها لاستغرابه فإن الرجال يلبسون القفطان وان الأتراك كانوا قبل العثمانيين ! المعجم المفصل بأسماء الملابس عند العرب تاليف رينهارت دوزي ترجمة د . أكرم فاصل ، وزارة الإعلام العراقية 1971 ص 273 . ( 191 ) القصد إلى أحمد بن عبد العزيز بن القاسم . . . النّويري شهاب الدين سكن بمكة وتزوج بالست كمالية بنت القاضي نجم الدّين قاضي مكة ، وكان زوجها الأول هو الشيخ خليل المكي حنث فيها بالطلاق الثلاث وكان يرجوا أنها إذا تزوجت تفارق زوجها لتحل له لكنها أقامت مع شهاب الدّين وولدت له أبا الفضل وعليّا ثم سافر إلى المدينة فتحيل عليه بعض أهلها حتى وقعوا عليه طلاقها وكانوا يظنون أن الشيخ خليلا يراجعها فتورع عن ذلك لما بلغه من الصورة ، فاتفق موت شهاب الدّين عام 737 - 1336 وحينئذ راجعها الشيخ خليل ! - الدرر 1 ص 184 ص 209 . انظر التعليق 155 - 189 . ( 192 ) هو أحمد بن علي يوسف بن أبي بكر السّجزي الحسيني إمام الحنفية بمكة ، ولد سنة 673 - 1270 سمع عن عدد من المشايخ المعروفين وسمع منه جماعة من المشايخ ، منهم الحافظ العراقي قرأ عليه تاريخ المدينة لابن النجار وسمع منه المقرئ ابن سكر . . . جاور بمكة واستقر أمام مقام الحنفية بها ، أدركه أجله في رمضان 762 - 1361 - الدرر الكامنة ج 1 ، ص 236 - 237 .