ابن بطوطة

385

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

والناس يقصدون زيارة هذا الغار المبارك ، فيرومون دخوله من الباب الذي دخله منه النبي صلى اللّه عليه وسلم تسليما ، تبرّكا بذلك ، فمنهم من يتأتى له ، ومنهم من لا يتأتى له وينشب فيه حتى يتناول بالجذب العنيف ، ومن الناس من يصلّي أمامه ولا يدخله ، وأهل تلك البلاد يقولون : إنه من كان لرشدة قدر على دخوله ومن كان لزنية لم يقدر على دخوله ! ولهذا يتحاماه كثير من الناس لأنه مخجل فاضح ! ! قال ابن جزي : أخبرني بعض أشياخنا الحجاج الأكياس أن سبب صعوبة الدخول اليه هو أن بداخله مما يلي هذا الشقّ الذي يدخل منه حجرا كبيرا معترضا فمن دخل الشق منبطحا على وجهه وصل رأسه إلى ذلك الحجر ، فلم يمكنه التولج ولا يمكنه أن ينطوي إلى العلو ، ووجهه وصدره يليان الأرض ، فذلك هو الذي ينشب ولا يخلص إلا بعد الجهد والجبذ إلى خارج ، ومن دخل منه مستلقيا على ظهره أمكنه لأنه إذا وصل رأسه إلى الحجر المعترض رفع رأسه واستوى قاعدا فكان ظهره مستندا إلى الحجر المعترض وأوسطه في الشق ورجلاه من خارج الغار ثم يقوم قائما بداخل الغار ، رجع . حكاية [ شيخ ضل طريقه ] ومما اتفق بهذا الجبل لصاحبين من أصحابي : أحدهما الفقيه المكرم أبو محمد عبد اللّه بن فرحان الإفريقي التوزري والآخر أبو العباس أحمد الأندلسي الوادي اشي أنّهما قصدا في حين مجاورتهما بمكة شرفها اللّه تعالى في سنة ثمان وعشرين وسبع مائة زيارة هذا الغار وذهبا منفردين لم يستصحبا دليلا عارفا بطريقه ، فتاها وضلّا طريق الغار وسلكا طريقا سواها منقطعة ، وذلك في أوان اشتداد الحرّ وحمّى القيظ ، فلما نفذ ما كان عندها من الماء وهما لم يصلا إلى الغار ، أخذا في الرجوع إلى مكة شرفها اللّه تعالى فوجدا طريقا فاتبعاه وكان يفضى إلى جبل آخر واشتد بهما الحرّ وأجهدهما العطش وعاينا الهلاك ، وعجز الفقيه أبو محمد بن فرحان عن المشي جملة ، وألقى بنفسه إلى الأرض ، ونجا الأندلسي بنفسه ، وكان فيه فضل قوة ولم يزل يسلك تلك الجبال حتى أفضى به الطريق إلى أجياد فدخل إلى مكة شرفها اللّه تعالى ، وقصدني وأعلمني بهذه الحادثة وبما كان من أمر عبد اللّه التوزري وانقطاعه بالجبل وكان ذلك في آخر النهار .