ابن بطوطة
372
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
وعتبته العليا مصفّحات بالفضة وله نقّارتان كبيرتان من فضة عليهما قفل ، ويفتح الباب الكريم في كل يوم جمعة بعد الصلاة ، ويفتح في يوم مولد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تسليما « 120 » ورسمهم في فتحه أن يضعوا كرسيا شبه المنبر ، له درج وقوايم خشب لها أربع بكرات ، يجري الكرسي عليها ويلصقونه إلى جدار الكعبة الشريفة فيكون درجه الأعلى متصلا بالعتبة الكريمة ، ثم يصعد كبير الشّيبيين « 121 » وبيده المفتاح الكريم ومعه السّدنة فيمسكون الستر المسبل على باب الكعبة المسمّى بالبرقع بخلال ما يفتح رئيسهم الباب ، فإذا فتحه قبّل العتبة الشريفة ودخل البيت وحده وسدّ الباب ، وأقام قدر ما يركع ركعتين ، ثم يدخل سائر الشيبيين ويسدون الباب أيضا ويركعون ، ثم يفتح الباب ويبادر الناس بالدخول ، وفي أثناء ذلك يقفون مستقبلين الباب الكريم بأبصار خاشعة ، وقلوب ضارعة ، وأيدي مبسوطة إلى اللّه تعالى فإذا فتح كبّروا ونادوا : اللهم افتح لنا أبواب رحمتك ومغفرتك يا أرحم الراحمين . وداخل الكعبة الشريفة مفروش بالرخام المجزّع ، وحيطانه كذلك ، وله أعمدة ثلاثة طوال مفرطة الطول من خشب الساج ، بين كلّ عمود منها وبين الآخر أربع خطى وهي متوسطة في الفضاء داخل الكعبة الشريفة يقابل الأوسط منها نصف عرض الصفح الذي بين الركنين اليمني « 122 » والشامي . وستور الكعبة الشريفة من الحرير الأسود مكتوب فيها بالأبيض « 123 » وهي تتلألأ ، عليها نورا وإشراقا وتكسو جميعها من الأعلى إلى الأرض ، ومن عجائب الآيات في الكعبة الكريمة أن بابها يفتح والحرم غاصّ بأمم لا يحصيها الا اللّه الذي خلقهم ورزقهم فيدخلونها أجمعون ولا تضيق عنهم ، ومن عجائبها أنها لا تخلو عن طائف أبدا ليلا ولا نهارا ، ولم يذكر أحد أنه رآها قط دون طائف ، ومن عجائبها أن حمام مكة على كثرته وسواه من الطير لا ينزل عليها ولا يعلوها في الطّيران ، وتجد الحمام يطير على أعلى الحرم كلّه فإذا حاذي الكعبة الشريفة عرّج عنها إلى إحدى الجهات ولم يعلها ، ويقال إنه لا ينزل عليها طائر إلا إذا كان به مرض ، فإما أن يموت لحينه أو يبرأ من مرضه ، فسبحان الذي خصّها بالتشريف والتكريم ، وجعل لها المهابة والتعظيم .
--> ( 120 ) في عصر ابن جبير كان الباب يفتح أيام الثلاثاء والجمعة ، وكذا أيام رجب ابتداء من شروق الشمس . . . ( 121 ) بنو شيبة هم حراس الكعبة وإليهم أسندت المهمة من لدن الرسول عليه الصلوات . ( 122 ) النص يوجد فيه ( العراقي ) والصواب هو ( اليماني ) . ( 123 ) على عهد ابن جبير كانت أستار الكعبة : خضراء نقش عليها بالأحمر أو بألوان أخرى صارخة .