ابن بطوطة

358

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

والصوم والصلاة بمسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تسليما صابر محتسب وكان ربما جاور بمكة المعظمة ، رأيته بها سنة ثمان وعشرين وهو أكثر الناس طوافا وكنت أعجب من ملازمته الطواف مع شدة الحرّ بالمطاف ، والمطاف مفروش بالحجارة السود وتصير بحر الشمس كأنها الصفائح المحماة ، ولقد رأيت السقائين يصبّون الماء عليها فما يجاوز الموضع الذي يصبّ فيه إلا ويلتهب من حينه ! وأكثر الطائفين في ذلك الوقت يلبسون الجوارب ، وكان أبو العباس بن مرزوق يطوف حافي القدمين ، ورأيته يوما يطوف فأحببت أن أطوف معه فوصلت المطاف وأردت استلام الحجر الأسود فلحقني لهب تلك الحجارة وأردت الرجوع بعد تقبيل الحجر فما وصلته إلا بعد جهد عظيم ! ورجعت فلم أطف ، وكنت أجعل سجادتي « 65 » على الأرض وأمشي عليه حتى بلغت الرّواق . وكان في ذلك العهد بمكة وزير غرناطة وكبيرها أبو القاسم محمد بن محمد ابن الفقيه أبي الحسن سهل بن مالك الأزدي « 66 » ، وكان يطوف كل يوم سبعين أسبوعا « 67 » ، ولم يكن يطوف في وقت القائلة لشدة الحر ، وكان ابن مرزوق يطوف في شدة القائلة زيادة عليه . ومن المجاورين بالمدينة ، كرّمها اللّه ، الشيخ الصالح العابد سعيد المراكشي الكفيف ، ومنهم الشيخ أبو مهدي عيسى بن حرزوز « 68 » المكناسي .

--> ( 65 ) معظم النسخ تذكر ( سجادتي ) ولا أدري عن اجتهاد الناشرين لجعل البجاد بدل السجادة . ( 66 ) أبو القاسم ابن الوزير أبي عبد اللّه ، وهو بلقبه اشهر ، محمد بن محمد بن سهل الأزدي الأندلسي الغرناطي ، قال ابن كثير في البداية والنهاية ( 14 / 149 ) : إنه كان بارعا في معرفة الأصطرلاب وكان وافر الجلالة يكثر التصدق بما يأتيه من املاكه بالمغرب . . . كان يولي الملوك ويعزلهم ! وقد كان له علم بالفقه والتاريخ ، أدركه أجله بالقاهرة عام 730 - 1336 وهو عائد من الحج . . . - الدرر 4 ، 296 - 297 . ( 67 ) الأسبوع من الطواف : سبعة أشواط ، يقال طاف بالبيت أسبوعا أي سبع مرات ، ومعنى هذا أن الوزير أبا القاسم كان يقوم بعملية الطواف عشر مرات في اليوم ، وفي كلّ مرة ينهي سبعة أشواط فمجموع الدورات إذن سبعون ! ، وذلك لعمري ، دليل يعبّر عن مدى إغراق الناس في عبادة ربّهم ، ولعلّ بعض الناشرين للرحلة استعظم أن يقوم أبو القاسم بالطواف بالبيت كلّ هذه الدورات ، ومن غير أن يرجع ذلك الناشر لقراءة ما سبق قبل سطرين من أخبار الذين كانوا يكثرون من الطواف بالرغم من شدة الحر . . . أقول استعظموا ذلك فعمدوا إلى الاقتصار على ما في مخطوطة حذفت فيها كلمة سبعين ! ! . وهكذا عدلوا عن عبارة ( كل يوم سبعين أسبوعا ) إلى عبارة كل أسبوع سبعين طوافا ) ! . . . بدّلوا فتبعهم من نقل عنهم . . . ! ! ( 68 ) القصد إلى أسرة بني حرزوز الذين أشار إليهم الشيخ ابن غازي ( ت 919 ه - 1513 م ) في كتابه " الروض الهتون في أخبار مكناسة الزيتون " ، وقد رسم الاسم هكذا حزرون في النسخة البارزية اعتمادا على المخطوط رقم 1289 ، بينما سائر النسخ تطبق على حرزور ، بما فيها مخطوطة الأمير مولاي العباس الذي استوقفته هذه المعلومة المتعلقة بمكناس ! - الروض الهتون : مطبوعات القصر الملكي ، الرباط 1384 - 1964 . - ابن زيدان : الاتحاف ج 3 ، ص 597 .