ابن بطوطة
352
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
« 45 » بدار أبي أيوب الأنصاري « 46 » رضي الله عنه وأقام عنده سبعة أشهر حتى بنى مساكنه ومسجده . وكان موضع المسجد مربدا لسهل وسهيل ابني رافع بن أبي عمر بن عاند بن ثعلبة بن غنم ابن ملك بن النّجار وهما يتيمان في حجر أسعد بن زرارة رضي الله عنهم أجمعين ، وقيل كانا في حجر أبي أيوب رضي الله عنه فابتاع رسول الله صلى الله عليه وسلّم تسليما ، ذلك المربد ، وقيل بل أرضاهما أبو أيوب عنه ، وقيل إنهما وهباه لرسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما ، فبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما المسجد وعمل فيه مع أصحابه وجعل عليه حائطا ولم يجعل له سقفا ولا أساطين ، وجعله مربّعا طوله مائة ذراع ، وعرضه مثل ذلك ، وقيل : إن عرضه كان دون ذلك ، وجعل ارتفاع حائطه قدر القامة ، فلما اشتد الحر تكلم أصحابه في تسقيفه فأقام له أساطين من جذوع النخل ، وجعل سقفه من جريدها فلما أمطرت السماء وكف المسجد ، فكلم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمله بالطين فقال : كلّا ! عريش كعريش موسى أو ظلّة كظلّة موسى ، والأمر أقرب من ذلك ، قيل : وما ظلّة موسى ؟ قال صلى اللّه عليه وسلم : كان إذا قام أصاب السقف رأسه ، وجعل للمسجد ثلاثة أبواب ثم سدّ الجنوبي منها حين حولت القبلة « 47 » ، وبقي المسجد على ذلك حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما وحياة أبي بكر رضي الله عنه . فلما كانت أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه زاد في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما وقال : لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما يقول : ينبغي أن نزيد في المسجد ما زدت فيه ، فانزل أساطين الخشب وجعل مكانها أساطين اللّبن ، وجعل الأساس حجارة إلى القامة وجعل الأبواب ستة ، منها في كلّ جهة ما عدا القبلة ، بابان وقال في باب منها : ينبغي أن يترك هذا للنّساء ، فما رىء فيه حتى لقى الله عز وجل ، وقال :
--> ( 45 ) بنو النجار فخذة من الخزرج . . . ( 46 ) أبو أيوب ، خالد بن زيد ، من مشاهير صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أدركه أجله أثناء حصار القسطنطينية العظمى عام 52 - 672 لما غزا يزيد عاصمة البيزنطيين في خلافة أبيه معاوية ، دفن في أصل حصن القسطنطينية ، وقد اكتشف قبره عندما احتلت المدينة عام 857 - 1453 من قبل آل عثمان ، ويعتبر قبره إلى اليوم مزارة مقصودة تحت اسم ( أيوب ) مما أوهم بعض الناس أنه قبر نبي الله أيوب الذي يوجد في سوريا على ما نعرف . ( 47 ) من المعلوم أن القبلة كانت أول الأمر في اتجاه بيت المقدس ، ولكنها لم تلبث أن غيّرت إلى مكة في السنة الثانية من الهجرة ويعلّق بلاشير بأن ذلك التحوّل تم لما يئس النبي صلى الله عليه وسلم من استمالة اليهود !