ابن بطوطة
349
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
طيبة « 35 » مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرّف وكرم وفي عشىّ ذلك اليوم دخلنا الحرم الشريف وانتهينا إلى المسجد الكريم فوقفنا بباب السلام « 36 » مسلّمين وصلينا بالروضة الكريمة بين القبر والمنبر الكريم ، واستلمنا القطعة الباقية من الجذع « 37 » الذي حنّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ملصقة بعمود قائم بين القبر والمنبر عن يمين مستقبل القبلة ، وأدينا حق السلام على سيد الأولين والآخرين ، وشفيع العصاة والمذنبين ، الرّسول النبي الهاشمي الأبطحي محمد صلى الله عليه وسلم تسليما وشرف وكرم ، وحقّ السلام على ضجيعيه وصاحبيه : أبي بكر الصديق « 38 » وأبي حفص عمر الفاروق رضي الله عنهما ، وانصرفنا إلى رحلنا مسرورين بهذه النعمة العظمى ، مستبشرين بنيل هذه المنة الكبرى ، حامدين لله تعالى على البلوغ إلى معاهد رسوله الشريفة ، ومشاهده العظيمة المنيفة داعين أن لا يجعل ذلك آخر عهدنا بها وأن يجعلنا ممن قبلت زيارته ، وكتبت في سبيل الله سفرته . ذكر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وروضته الشريفة المسجد المعظم مستطيل تحفّه من جهاته الأربع ، بلاطات دائرة به ووسطه صحن مفروش بالحصى والرمل ، ويدور بالمسجد الشريف شارع مبلّط بالحجر المنحوتة ، والرّوضة المقدسة « 39 » صلوات الله وسلامه على ساكنها ، في الجهة القبلية مما يلي الشرق من المسجد الكريم ، وشكلها عجيب لا يتأتى تمثيله ، وهي مؤزّرة بالرخام البديع النحت ، الرائق النعت ، قد علاها تضميخ المسك والطيب مع طول الأزمان ، وفي الصفحة القبلية منها مسمار فضة هو قبالة الوجه الكريم ، وهناك يقف الناس للسلام مستقبلين الوجه الكريم ، مستدبرين القبلة
--> ( 35 ) طيبة : اسم أطلق بعد ظهور الإسلام على مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ، أما يثرب فاسم قديم . ( 36 ) يبتدئ الحجاج زيارتهم للمسجد من باب السلام وهو مدخل يقع قريبا من الزاوية الجنوبية للجدار الغربي قبالة القبر النبوي . ( 37 ) لم يبق أثر اليوم لهذا الجذع . ( 38 ) أبو بكر : صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وخليفته ، معروف بلقب الصّدّيق ، وقد كان عمر كذلك صهرا وخليفة لأبي بكر وكان يلقب بالفاروق ، وكلاهما دفن إلى جانب قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد وقفنا على ذلك داخل الروضة الشريفة التي تحتضن جدث الرسول عليه الصلوات ضمن الوفد الرسمي الذي أدّى مناسك الحج عام 1378 ه ( 1959 م ) . ( 39 ) هذه معلومات مقتبسة باختصار من ابن جبير إنما يلاحظ أن المسجد الأول الذي كتب عنه ابن جبير تهدم في أعقاب حريق مدمر عام 654 ه - 1256 ، هذا ونلاحظ أن معظم مخطوطات ابن بطوطة ومنها مخطوطة الخزانة الملكية بالمغرب كتب ( مؤزّرة ) عوض مدورة . . .