ابن بطوطة
295
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
العصر بمتعبد إبراهيم بن أدهم ، فرأيت بمقربة منه حمار وحش قد أحدق الثلج به من كل جانب ، وأظنّه لا يقدر على الحراك ، فلو ذهبتم اليه لقدرتم عليه ، وشويتم لحمه على هذه النار . قال : فقمنا اليه في خمسة رجال فلقيناه كما وصف لنا ، فقبضناه وأتينا به أصحابنا وذبحناه وشويناه في تلك النار ، وطلبنا الفقير الذي نبّه عليه ، فلم نجده ولا وقعنا له على أثر ، فطال عجبنا منه . ثم وصلنا من جبل لبنان إلى مدينة بعلبك « 150 » ، وهي حسنة قديمة من أطيب مدن الشام ، تحدق بها البساتين الشريفة والجنات المنيفة ، وتحترق أرضها الأنهار الجارية ، وتضاهي دمشق في خيراتها المتناهية ، وبها من حبّ الملوك ما ليس في سواها ، وبها يصنع الدّبس « 151 » المنسوب إليها ، وهو نوع من الرّب يصنعونه من العنب ، ولهم تربة يضعونها فيه فيجمد ، وتكسر القلة التي يكون بها فيبقى قطعة واحدة ، وتصنع منه الحلواء ويجعل فيها الفستق واللوز ، ويسمون حلواءه بالملبّن ويسمونها أيضا بجلد الفرس « 152 » ، وهي كثيرة الألبان وتجلب منها إلى دمشق ، وبينهما مسيرة يوم للمجدّ ، وأما الرفاق فيخرجون من بعلبك فيبيتون ببلدة صغيرة تعرف بالزّبداني « 153 » كثيرة الفواكه ، ويغدون منها إلى دمشق ويصنع ببعلبك الثياب المنسوبة إليها من الإحرام « 154 » وغيره ويصنع بها أواني الخشب وملاعقه
--> ( 150 ) بعلبك أو ( HELOPOLLIS ) القديمة يقول عنها القلقشندي 821 - 1418 إنها مدينة مختصرة لدمشق تحتوي على كل جمالها ، وإذا كان ابن بطوطة لم يتحدث عن معالم بعلبك التي تحدث عنها آخرون فإنه تحدث عن الثياب المنسوب إليها والصناعات الخشبية المتميّزة فيها . . . ( 151 ) نوع مما يعرف في المغرب بالرّب ( بضم الباء ) : عصير خاثر من العنب ونحوه له نفس قوام العسل . . . ومن أبواب مدينة مراكش باب الرب لأن الرب كان يباع بهذا الباب . . . والذي يصنع الدّبس أو يبيعه يحمل نعت الدبّاس . ( 152 ) الملبّن يعني على شكل قطع اللّبن أي الآجر " يصنع على عدة أشكال لا يوجد لها نظير في الدنيا ، كما يقول القلشندي ، وجلد الفرس يعني أيضا المصنوع قطعا تشبه جلد الفرس ، وقد تعودنا أن نتزود منه عندما نزور بلاد الشام وخاصة بعد أن تطوّرت صناعته الجيّدة . فالملبّن وجلد الفرس واحد كما يقول ابن بطوطة . ( 153 ) الزّبداني مدينة بدون أسوار على جوانب وادي بردى لها حدائق متمادية تمتد من هناك إلى دمشق " على ما يقوله أبو الفداء ( ت 732 - 1331 . ) أقول : وقد شعرت وأنا أزور الشيخ المكي الكتاني في هذا المصطاف عام 1959 بأنني فعلا في فراديس يأخذ بعضها برقاب البعض . . . ( 154 ) القصد بالإحرام ليس ما يعرف عند الحجاج ولكن إلى ثوب يجعل على الرأس وينزل على الأكتاف على ما أسلفناه في الفصل الأول ، هذا وينتقد ( گيب ) سابقيه D . S . عندما زادا من عندهما أن الاحرام من القطن لأن هذه المناطق لا تنبت القطن ! !