ابن بطوطة

290

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

عرف قراسنقور بذلك أخذ خاتما كان له مجوفا في داخله سم ناقع فنزع فصه وامتص ذلك السم فمات لحينه ، فعرّف أبو سعيد بذلك الملك الناصر ولم يبعث له برأسه « 136 » . ثم سافرت من حصون الفداوية إلى مدينة جبلة « 137 » وهي ذات أنهار مطردة وأشجار ، والبحر على نحو ميل منها وبها قبر الولي الصالح الشهير إبراهيم بن أدهم « 138 » رضي الله عنه ، وهو الذي نبذ الملك وانقطع إلى الله تعالى حسبما شهر ذلك ، ولم يكن إبراهيم ، من بيت ملك كما يظنه الناس ، انما ورث الملك عن جده أبي أمه وأما أبوه أدهم فكان من الفقراء الصالحين السائحين المتعبدين الورعين المنقطعين . حكاية أدهم [ الزاهد ] يذكر أنه مرّ ذات يوم ببساتين مدينة بخارى وتوضأ من بعض الأنهار التي تتخللها فإذا بتفاحة يحملها ماء النّهر ، فقال : هذه لا خطر لها فأكلها ، ثم وقع في خاطره من ذلك وسواس ، فعزم على أن يستحلّ من صاحب البستان ، فقرع باب البستان فخرجت إليه جارية ، فقال لها : ادعي لي صاحب المنزل ! فقالت : إنه لامرأة ، فقال : استأذني لي عليها ففعلت ، فأخبر المرأة بخبر التّفاحة ، فقالت له : ان هذا البستان ، نصفه لي ونصفه للسلطان ، والسلطان يومئذ ببلخ ، وهي مسيرة عشرة من بخارى ، وأحلته المرأة من نصفها وذهب إلى بلخ فاعترض السلطان في موكبه ، فأخبره الخبر واستحله ، فأمره أن يعود اليه من الغد . وكان للسلطان بنت بارعة الجمال قد خطبها أبناء الملوك فتمنّعت وحبّبت إليها العبادة وحب الصالحين ، وهي تحب أن تتزوج من ورع زاهد في الدنيا فلما عاد السلطان إلى منزله

--> ( 136 ) وصل دمرطاش إلى القاهرة يوم 16 ربيع الأول 728 - 30 يناير 1328 متبوعا برسل السّلطان أبي سعيد في أمد لم يتجاوز الشهر . . . وقد أعدم دمرطاش يوم 3 شوال 11 غشت بينما قراسنقر مات يوم 26 شوال 3 شتنبر . . . بيد أن باقي المصادر لم تربط مباشرة بين هذه الأحداث ولم تقل أن قراسنقر مات مسموما . . . ( 137 ) مدينة جبلة أصبحت حاليّا ميناء صغيرا في منتصف الطريق بين اللاذقية وبانياس استرجعها السلطان صلاح الدين عام 583 - 1188 . حول جبلة - على ذلك العهد - وأهميتها يراجع معجم البلدان . ( 138 ) إبراهيم بن أدهم بن منصور التميمي البلخي أبو إسحاق ، زاهد مشهور كان يعيش من العمل بالحصاد وحفظ البساتين والنقل والطحن ، ويشترك مع الغزاة في قتال الرّوم . . . أخباره كثيرة وفيها اضطراب واختلاف في نسبته ومسكنه ومتوفاه ولعل الراجح أنه توفى سنة 161 هجرية 778 م .