ابن بطوطة
276
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
ويضلّ صرف الدهر منها خائفا * وجلا ، فما يمسي لديها حاضرا ! ويقال في مدينة حلب : حلب إبراهيم « 93 » ، لأن الخليل صلوات اللّه على نبيّنا وعليه وسلامه ، كان يسكنها ، وكانت له الغنم الكثيرة فكان يسقي الفقراء ، والمساكين والوارد والصادر من ألبانها فكانوا يجتمعون ويسألون حلب إبراهيم فسميت بذلك . وهي من أعز البلاد التي لا نظير لها في حسن الوضع وإتقان الترتيب واتساع الأسواق وانتظام بعضها ببعض ، وأسواقها مسقفة بالخشب فأهلها دائما في ظلّ ممدود ، وقيساريتها « 94 » لا تماثل حسنا وكبرا وهي تحيط بمسجدها ، وكلّ سماط منها محاذي لباب من أبواب المسجد ، ومسجدها الجامع من أجمل المساجد « 95 » ، في صحنه بركة ماء ، ويطيف به بلاط عظيم الاتساع ، ومنبرها بديع العمل مرصع بالعاج والأبنوس . وبقرب جامعها مدرسة مناسبة له في حسن الوضع واتقان الصنعة تنسب لأمراء حمدان ، وبالبلد سواها ثلاث مدارس ، وبها مارستان « 96 » .
--> ( 93 ) رواية " حلب إبراهيم " ترددت أيضا حتى فيما كتبه بعض الصليبيين ، وينتقد ياقوت هذه المعلومة قائلا : وهذا فيه نظر لأنّ إبراهيم عليه السلام وأهل الشام في أيامه لم يكونوا عربا ، إنما العربية في ولد ابنه إسماعيل عليه السلام وقحطان . . . فإن كان لهذه اللفظة أعني ( حلب ) أصل في العبرانية أو السريانية لجاز ذلك لأنّ كثيرا من كلامهم يشبه كلام العرب لا يفارق إلا بعجمة يسيرة مثل كهنّم في جهنّم . . . ( 94 ) قيسارية حلب ، هكذا رسمت بالسين في سائر النسخ التي بين أيدينا وهي تعني المركز التجاري ، وقد ترسم هكذا قيصرية بالصاد . . . ويوحي اللفظ بأنه من أصل روماني ، وقد رأينا أن ابن الوزان ( ليون الإفريقي ) يؤكد في كتابه " وصف إفريقيا " أن كلمة " القيصرية " آت من القيصر الذي يعني ( CESAR ) . . . ولا نعرف كيف وفي أي مرحلة من التاريخ تسرب هذا اللفظ إلى دارجتنا . وقيسارية حلب ما تزال على سحرها ومفاتنها إلى اليوم على ما نرى ! راجع حول هذه الكلمة : " القيصرية " : ابن الوزان في كتابه وصف إفريقيا ، ودائرة المعرف الإسلامية ، وانظر على الخصوص كتاب : Bel : inscriptions Arabes de Fes Paris , 1919 P 387 . ( 95 ) تعرض هذا المسجد للإحراق من لدن بعض متطرفة الأرمن عام 658 - 1260 ، لكنه أعيد بناؤه أولا من قبل قرسنقر ثم من قبل الملك الناصر عام 1326 . وقد زرناه أكثر من مرة . . . ( 96 ) تفترض بعض التعاليق أن المدرسة شيدت مكان كاتدرائية مسيحية ، تحولت في البدء إلى مسجد عام 518 - 1124 قبل أن تسمى مدرسة أيام نور الدين زنكي عام 545 - 1150 . . . نسبتها لبني حمدان خطأ . . . لأن أول مدرسة أنشئت في حلب كانت بين سنة 511 - 1117 وسنة 518 - 1124 أي بعد نهاية الحمدانيين وقد زرنا صحبة المشاركين في ندوة ابن البيطار عام 1993 ، هذا المارستان الذي يعتبر أعجوبة في تصميمه . . . راجع التعليق 89 .