ابن بطوطة
239
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
ثم سرنا حتى وصلنا إلى مدينة غزة « 1 » ، وهي أول بلاد الشام مما يلي مصر متسعة الأقطار كثيرة العمارة حسنة الأسواق بها المساجد العديدة ولا سور عليها ، وكان بها مسجد جامع حسن ، والمسجد الذي تقام الآن به الجمعة فيها بناه الأمير المعظم الجاولي « 2 » ، وهو أنيق البناء محكم الصنعة ومنبره من الرخام الأبيض ، وقاضي غزة بدر الدين السلختي الحوراني ، ومدرسها علم الدين بن سالم ، وبنو سالم كبراء هذه المدينة ، ومنهم شمس الدين قاضي القدس . ثم سافرت من غزة إلى مدينة الخليل « 3 » صلى اللّه على نبيّنا وعليه وسلم تسليما ، وهي مدينة صغيرة الساحة ، كبيرة المقدار ، مشرقة الأنوار حسنة المنظر ، عجيبة المخبر ، في بطن واد ، ومسجدها أنيق الصنعة محكم العمل بديع الحسن سامي الارتفاع « 4 » مبني بالصخر المنحوت ، في أحد أركانه صخرة أحد أقطارها سبعة وثلاثون شبرا . ويقال : إن سليمان عليه السلام أمر الجن ببنائه « 5 » ، وفي داخل المسجد الغار المكرم المقدس ، فيه قبر إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، صلوات اللّه على نبينا وعليهم ، ويقابلها قبور ثلاثة : هي قبور أزواجهم ، وعن يمين المنبر بلصق جدار القبلة موضع يهبط منه على درج رخام محكمة العمل إلى مسلك ضيق يفضي إلى ساحة مفروشة بالرخام فيها صور القبور الثلاثة ، ويقال : إنها
--> ( 1 ) كانت غزة سابقا بلدة بسيطة تابعة لإقليم الرّملة لكنها لم تلبث أن أصبحت مركزا حكوميا في عهد الملك الناصر . . . . وقد استعادت ذكرها اليوم بعد اتفاقية أوصلو 13 / 9 / 1993 بين الرئيس عرفات وبين الرئيس بريز ( إسحاق رابين ) . ( 2 ) القصد إلى سنجر بن عبد اللّه الجاولي كان من مماليك ( جاول ) أحد أمراء الظاهر بيبرس . وولي نيابة غزة وبنى عدة مساجد منها هذا المسجد الذي بناه سنة 714 كما تفيده وثيقة التأسيس توفي بالقاهرة 745 - 1345 والمسجد الآن خراب ومنعزل عن العمران . سليم عرفات البيضي : البنايات الأثرية في غزة وقطاعها . نجدد الشكر للسيد عبد السلام سيناصر رئيس مكتب الاتصال بغزة على « فاكساته » المفيدة . ( 3 ) الخليل لقب سيدنا إبراهيم عليه السلام ، وهذه المدينة هي التي تحمل اسم حبرون ( HEBRON ) ويتحدث الهروي عن زيارته لمدينة الخليل بالمدينة في عهد بودوان عام 513 ه . . . الإشارات - دمشق 1953 ص 31 . ( 4 ) يذكر أن هذا المسجد أيضا بني محل كنيسة شيدت على أثر روماني قديم . . . ( 5 ) " ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه . . . يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجوابي وقدور راسيات . . . السورة 34 ، الآية 13 .