ابن بطوطة

226

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

الحارة فيطرحها في القدر التي يطبخ فيها السكر ثم يخرجها وقد امتلأت سكرا فينصرف بها . وسافرت من منلوي المذكورة إلى مدينة منفلوط « 171 » وهي مدينة حسن رواؤها ، مؤنق بناؤها ، على ضفة النيل ، شهيرة البركة ، وضبط اسمها بفتح الميم وإسكان النون وفتح الفاء وضم اللام وآخرها طاء مهمل . حكاية [ منبر ملك الناصر ] أخبرني أهل هذه المدينة أن الملك الناصر رحمه اللّه أمر بعمل منبر عظيم محكم الصنعة بديع الإنشاء برسم المسجد الحرام زاده اللّه شرفا وتعظيما ، فلما تم عمله أمر أن يصعد به في النيل ليجاز إلى بحر جدة ، ثم إلى مكة شرفها اللّه ، فلما وصل المركب الذي احتمله إلى منفلوط وحاذى مسجدها الجامع وقف وامتنع من الجري مع مساعدة الريح ، فعجب الناس من شأنه أشد العجب وأقاموا أياما لا ينهض بهم المركب فكتبوا بخبره إلى الملك الناصر رحمه اللّه ، فأمر أن يجعل ذلك المنبر بجامع مدينة منفلوط ففعل ذلك ، وقد عاينته بها . ويصنع بهذه المدينة شبه العسل يستخرجونه من القمح ويسمونه النّيدا « 172 » يباع بأسواق مصر . وسافرت من هذه المدينة إلى مدينة أسيوط « 173 » وهي مدينة رفيعة ، أسواقها بديعة ، وضبط اسمها بفتح الهمزة والسين المهملة والياء آخر الحروف وواو وطاء مهملة ، وقاضيها شرف الدين بن عبد الرحيم الملقب " بحاصل ما ثمّ " لقب شهر به ، وأصله أن القضاة بديار مصر والشام بأيديهم الأوقاف والصدقات لابناء السبيل فإذا أتى فقير لمدينة من المدن قصد

--> ( 171 ) تقع منفلوط على نحو عشرين كيلوميتر شمال أسيوط ، عرف بها ابن الوزّان وذكر أنه لا تزال بها أعمدة غليظة ومرتفعة وبوابات كتبت عليها أشعار باللغة المصرية ، ويعثر السكان فيها على مداليات تحمل على الوجه الواحد حروفا مصرية وعلى الوجه الآخر صورا لملوك قدامي . . . ولا يوجد في الصعيد ما يضاهيها على حدّ تعبير ابن جبير . ( 172 ) النّيدا عبارة عن قمح ينقع في الماء لبضعة أيام ييبّسونه ويسحقونه ويطبخونه . . . ( 173 ) كانت أسيوط مقر إقامة الحاكم العام لمصر العليا على ما يقوله ابن دقماق ، وسنرى أن ابن بطوطة يجعل مدينة قوص هي مقر الحاكم ، وقد تحدث ابن جبير عن أسوارها ، وبعد ذلك ذكر ياقوت أن بها نحوا من خمسة وسبعين كنيسة . . .