ابن بطوطة
209
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
والنيل يفترق بعد مسافة من مصر على ثلاثة أقسام « 113 » ولا يعبر نهر منها إلا في السفن شتاء وصيفا ، وأهل كل بلد لهم خلجان تخرج من النيل فإذا مدّ أترعها ففاضت على المزارع . ذكر الأهرام والبرابي وهي من العجائب المذكورة على مر الدهور ، وللناس فيها كلام كثير وخوض في شأنها ، وأولية بنائها ويزعمون أن جميع العلوم التي ظهرت قبل الطوفان أخذت عن هرمس الأول الساكن بصعيد مصر الأعلى ، ويسمى خنوخ وهو إدريس عليه السلام « 114 » وأنه أول من تكلم في الحركات الفلكية والجواهر العلوية وأول من بنى الهياكل ومجّد اللّه تعالى فيها وأنه أنذر الناس بالطوفان وخاف ذهاب العلم ودروس الصنائع فبنى الأهرام والبرابي « 115 » وصور فيها جميع الصنائع والآلات ورسم العلوم فيها لتبقى مخلدة . ويقال إن دار العلم والملك بمصر مدينة ( منوف ) وهي على بريد من الفسطاط « 116 » فلما بنيت الإسكندرية انتقل الناس
--> ( 113 ) معظم الجغرافيين العرب يتحدثون عن " سبعة فروع للنيل " وبعضهم يتحدث عن فرعين فقط ويتفق تقدير ابن بطوطة مع معاصره أبي الفداء OMAR TOUSSOUN : MEMOIRE SUR LES ANCIENNES BRANCHES DU NILE , EPOQUE ARABE ( CAIRO 1923 ) ( 114 ) ينبغي أن نرجع في الحديث عن هذه الأسماء الثلاثة : هرمس وخنوخ وإدريس أولا إلى القفطي المتوفى سنة 646 ه - ف كتابه أخبار العلماء بأخبار الحكماء وهو يتضمن في بدايته حديثا عن نبي اللّه إدريس عليه السلام المسمى هرمس وخنوخ . . . وانه هو الذي جمع طلبة العلم وعلمهم العلوم . . . وكان مسكنه صعيد مصر فبنى هياكل الأهرام ومدائن البرابي ، ولما خاف ذهاب العلم بالطوفان بني البرابي وصوّر فيها العلوم برسوم لمن بعده . . . ثم ثانيا إلى الموسوعة الإسلامية ( مادة هرم ج أهرام ) حيث نقف هنا على ملخص لما كتبه المقريزي ونسمع عن محاولة الخليفة المأمون لفتح الهرم الأكبر كما سيقوله ابن بطوطة ونعرف عن الأساطير التي يرويها القبط عن الأهرام . . . ( 115 ) اسم يعطى من لدن المصريين للمعابد الفرعونية ، والكلمة : من أصل قبطي جمع بربة ، ويقال في الاصطلاح المصري الصعيدي للمرأة التي لا تخلّف : ( شقّي بربّه ! ) يعني زوري معبدا واخترقيه من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق للغرب . . . وقد سعدت بزيارة دراسية لكل هذه الأماكن في يناير 1983 رفقة صاحب السمو الملكي الأميرة لالة مريم كريمة الملك الحسن الثاني . . . ( 116 ) منوف ( MEMPHUS ) أما ( الفسطاط ) فهي المدينة العربية الأولى ، وقد أحرقها القادة السياسيون عام 564 - 1169 خوفا من أن يستولي عليه الفرنج . . . وتلك عادة جارية : وكلمة البريد من أصل لاتيني ( VEREDUS ) تعني أربعة فراسخ والأربعة فراسخ تكون نحوا من واحد وعشرين كيلوميترا . . . ابن جبير قدم لنا وصفا لهذه الأهرامات من غير أن ينسى الصورة الغريبة من الحجر التي كانت تعرف ، كما يقول ابن جبير ، بأبي الأهوال ( SPHINIX ) بدائع الزهور لابن اياس ، الهيأة العامة للكتاب 1982 ص 232 .