ابن بطوطة
196
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
القاضي وركب من معه أجمعين وتبعهم جميع من بالمدينة من الرجال والنساء والعبيد والصبيان وينتهون إلى موضع مرتفع خارج المدينة ، وهو مرتقب الهلال عندهم ، وقد فرش ذلك الموضع بالبسط والفرش فينزل فيه القاضي ومن معه فيرتقبون الهلال ثم يعودون إلى المدينة بعد صلاة المغرب ، وبين أيديهم الشمع والمشاعل والفوانيس ، ويوقد أهل الحوانيت بحوانيتهم الشمع ، ويصل الناس مع القاضي إلى داره ثم ينصرفون ، هكذا فعلهم كل سنة . ثم توجهت إلى مدينة المحلة الكبيرة « 54 » وهي جليلة المقدار ، حسنة الآثار كثير أهلها ، جامع بالمحاسن شملها ، واسمها بيّن ، وبهذه المدينة قاضي القضاة ، ووالي الولاة ، وكان قاضي قضاتها أيام وصولي إليها في فراش المرض ببستان له على مسافة فرسخين من البلد وهو عز الدين . بن خطيب الاشمونين « 55 » ، فقصدت زيارته صحبة نائبه الفقيه أبي القاسم ابن بنون المالكي التونسي ، وشرف الدين الدميري قاضي محلة منوف « 56 » وأقمنا عنده يوما . وسمعت منه ، وقد جرى ذكر الصالحين ، أن على مسيرة يوم من المحلة الكبيرة بلاد البرلس « 57 » ونسترو « 58 » ، وهي بلاد الصالحين وبها قبر الشيخ مرزوق صاحب المكاشفات ، فقصدت تلك البلاد ونزلت بزاوية الشيخ المذكور ، وتلك البلاد كثيرة النخل والثمار والطير البحري ، والحوت المعروف بالبوري ، « 59 » ومدينتهم تسمى ملطين « 60 » وهي على ساحل البحيرة
--> ( 54 ) المحلة الكبيرة هي بالذات المحلة الكبرى ، التي كانت منذ تلك الفترة من بين المراكز الهامة للتجارة في النسيج ، ومن المهم أن نعرف أن الاقتصاديّ المصري المعروف طلعت حرب اختار هذا المكان ليؤسس عام 1927 أضخم مصنع متكامل للمنتجات القطنية . . . زرناه يوم 30 - 3 - 1995 رفقة أعضاء مجمع اللغة العربية فاكتشفنا جانبا هاما من الجوانب الصناعية والحضارية الكبرى لمصر . . . ( 55 ) هو عبد العزيز بن أحمد بن عثمان الهكّاري ثم المصري الشافعي عماد الدّثين أبو العزّ بن تقي الدّين ، يعرف بابن خطيب الأشمونين سمع بمكة وبدمشق ، من تصانيفه الكلام على حديث المجامع في مجلدين صنف فيه ألف فائدة وفائدة . . . أدركه أجله في ثامن رمضان 727 - 28 يوليه 1327 الدرر الكامنة 2 ، 478 . ( 56 ) تقع مدينة منوف على نحو عشرين كيلومترا شمال طنطا . ( 57 ) تقع البرلّس في وسط الدلتا على ساحل البحر المتوسط ، وقد وصفها ابن حوقل ( 388 - 998 ) في المسالك والممالك بأنها مدينة كثيرة الصيد وبها حمامات جميلة . ( 58 ) يتحدث ابن حوقل عن نستروه كمدينة حسنة تقع على بحيرة البشمور وتحيط بها مياه ، كثيرة الصيود من السموك وعليها قبالة كبيرة للسلطان ، وبها قوم مياسير ، ويوصل إليها في المعدّيات إذا زاد الماء وإذا نضب وصل إليها بالجسور ، وقد قدم ابن دقماق معلومات عنها لا تخلو من فائدة . ( 59 ) البوري : منسوب إلى بلدة بورا بمصر بين تنّيس ودمياط ، وهذا النوع من السمك يكثر في البحر المتوسط والمحيط الأطلسي . . . بيضه المملح هو الذي يعرف في مصر تحت اسم البطارخ ( BOTTARGO ) الإيطالي . ( 60 ) ملطين هي بالذات ( BALTIM ) وتعتبر دائما من أبرز مواقع إقليم البرلس .