ابن بطوطة

179

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

ثم وصلنا في أول جمادى الأولى « 1 » إلى مدينة الإسكندرية ، حرسها اللّه ، وهي الثغر المحروس ، والقطر المأنوس ، العجيبة الشان ، الأصيلة البنيان ، بها ما شئت من تحسين وتحصين ، ومآثر دنيا ودين ، كرمت مغانيها ، ولطفت معانيها ، وجمعت بين الضخامة والإحكام مبانيها ، فهي الفريدة تجلّى سناها ، والخريدة تجلّى في حلاها ، الزاهية بجمالها المغرب ، الجامعة لمفترق المحاسن لتوسطها بين المشرق والمغرب ، فكلّ بديعة بها اجتلاؤها ، وكل طرفة فإليها انتقاؤها ، وقد وصفها الناس فأطنبوا ، وصنفوا في عجائبها فأغربوا « 2 » ، وحسب المتشوف إلى ذلك ، ما سطره أبو عبيد في كتاب المسالك « 3 » . ذكر أبوابها ومرساها ولمدينة الإسكندرية أربعة أبواب باب السّدرة وإليه يشرع طريق المغرب ، وباب رشيد « 4 » ، وباب البحر ، والباب الأخضر ، وليس يفتح الا يوم الجمعة فيخرج الناس منه إلى زيارة القبور ولها المرسى العظيم الشأن ، ولم أر في مراسي الدنيا مثله إلا ما كان من مرسى كولم ، وقاليقوط ببلاد الهند ، ومرسى الكفار بسرداق ببلاد الأتراك ، ومرسى الزيتون ببلاد الصين « 5 » وسيقع ذكرها .

--> ( 1 ) التاريخ يوافق 5 أبريل 1326 ( 2 ) يذكر خسرو علوي الذي زار مصر 444 - 1052 أن عدد السفن يناهز الألف سفينة ( سفر نامه ) ص 24 ويذكر ليوناردو فريسكو بالدي الذي زارها عام 1384 ، أن سكانها ستون ألفا . . . ( 3 ) يعتبر الشيخ أبو عبيد عبد اللّه بن عبد العزيز البكري من الجغرافيين المسلمين الأوائل الدين يرجع إليهم الفضل في التعريف بالتراث الجغرافي العربي ، وهو من أصل أندلسي ( ت 487 - 1094 ) ، وقد اشتهر بموسوعته ( المسالك والممالك ) التي نشر جزء منها باسم " المغرب في ذكر إفريقية والمغرب " عام 1857 من قبل البارون دوسلان وترجمه إلى الفرنسية ، كما نشرت منه قطع خاصة بالروس والصقلب ، هذا إلى تأليفه بعنوان " معجم ما استعجم " الذي قام بنشره عام 1876 " Wustenfele Gottingen " . . . يراجع كتاب الجغرافيا لابن سعيد المغربي ، تقديم وتحقيق : إسماعيل العربي ، الجزائر 1982 . ( 4 ) باب رشيد الذي يؤدي إلى مدينة رشيد التي يسميها الإيطاليون روزيطو ( Rosetto ) ، وهي المدينة التي يذكر ابن الوزان أنه كان بها عندما مرّ عظيم التّرك سليم لدى عودته من الإسكندرية ، صحبة حاشيته ليقف على الحمّام الجميل الذي كان يشتمل على عدد من سقايات الماء البارد والحار . . . هذا وقد هدمت الأبواب الأربعة في القرن التاسع عشر . . . ( 5 ) كولم ( Quilon ) وقاليقوط ( Calicut ) وسرداق المستودع الجنوي في القرم ، ومرسى الزيتون بالصين الذي سماه ماركو پولو و ( caiton ) وهو قانزهو ( Quanzhou ) الحالية ، كل هذه المواقع سيأتي الحديث عنها مفصّلا .