محمد كرد علي

4

الرحلة الآنورية إلى الأصقاع الحجازية والشامية

ملتهم أرقى طبقات البشر لعهدهم ، وأوسعها سلطانا ، وأكثرها أمنا وأمانا ، وأوفرها مدنية وعمرانا ، فظهر للملأ عدلهم وعلمهم وعملهم ، وكانوا خير أمة أخرجت للناس في أخلاقهم الفاضلة ، وعقولهم الراجحة ، وتجارتهم الرابحة الناجحة . وكثيرا ما كان بعض من رزقوا حظّا من الفهم والنظر في العواقب يتلهفون على انقطاع التجدد في هذه الأمة منذ زمن ليس بقليل ، خصوصا وآمال المسلمين في القاصية والدانية معلقة بالدولة العثمانية ؛ إذا هي نهضت نهض المسلمون كافة ، قوتهم بقوتها ، وضعفهم بضعفها ، ولا رجاء لهم في البقاء إلا إذا أتى الخير على أيدي القائمين بأعباء دولة الخلافة . وبينا كاد اليأس يقضي على آمال العالمين منّ اللّه سبحانه وتعالى بإخراج رجال من أكابر المخلصين في السلطنة لم تلههم زينة خليج دار الخلافة ومضيقها ، ولا ذاك الهواء العليل ، والمناظر الرائعة ، والنعيم المقيم ، وطيب العيش في تلك الأفياء والأرجاء ؛ بل جعلوا دأبهم التفكر في نهضة الأمة ، وإعادة سالف عزها لها ، والعمل على تجديد حياة الجامعة الإسلامية ، وفي مقدمة أولئك الرجال سيف الإسلام القاطع ، وكيل أمير المؤمنين في قيادة الجيوش العثمانية . أنور باشا ناظر الحربية في الدولة العلية فإنه أحيا سنة الخلفاء والعظماء بسيرته الطاهرة ، ووطنيته الباهرة ، ورحلاته المتكاثرة .