جي آر ويلستد

219

رحلات في الجزيرة العربية

راحة للنظر يصعب التعبير عنها بعد رحلتنا فوق الرمال المحرقة الكئيبة . في الساعة الخامسة ركبنا إبلنا وواصلنا رحلتنا باتجاه الغرب والشمال الغربي على امتداد الوادي . كان عرض الوادي ميلا ونصف الميل . وكان جانباه يوحيان بأنهما شكّلا ذات يوم قاع جدول ماء عظيم . كما أن المنطقة كلها بدأت تظهر بمظهر مغاير . فقد ظهرت للعيان العديد من القرى الصغيرة المنتشرة وسط بساتين النخيل الكثيفة والحقول الخضر وقطعان الماشية ، كما بدأنا نشاهد لأول مرة منذ رحيلنا عن ساحل البحر مجموعات من السكان . وكانت الدهشة ترتسم على وجوههم ، ولكن بما أننا لم نتوقف ، فإنهم لم تؤاتهم الفرصة لإشباع فضولهم والتحديق بنا فترة طويلة . ولكن أحد أفراد مجموعتنا تأخر عن بقية الركب للتعويض عن خيبة أملهم وأخبرهم بما يعرفه عنّا . وفي إجابة عن الاستفسارات المألوفة : من نحن ؟ أنحن مسلمون ؟ ما طبيعة مهمتنا ؟ قال لهم إننا كفار نتوجه لزيارة ( نقب الهجر ) بحثا عن الكنز . كما أخبر آخرين بأننا وصلنا إلى هنا لدراسة البلاد والكتابة عنها رغبة في السيطرة عليها . حاولت بلا طائل أن أسكته لكنه ضحك ملء شدقيه . أما مرشدونا ، فقد تخلوا عنا حالما اقتربنا من القرية رغبة منهم في ألا يشاهدهم أحد برفقتنا أو لقضاء بعض أشغالهم . وقبيل غروب الشمس قفلوا راجعين وكنا نعد العدة للتوقف قرب إحدى القرى الصغيرة . وهنا وصلتنا رسالة من السكان تقول بأنهم لا يريدون منا أن نبقى قرب مساكنهم . ولم ينفع الاحتجاج أو المقاومة من جانبنا ، في حين ظل مرشدونا متفرجين لا أكثر على ما يدور من حولنا دون بذل أي محاولة للتداخل . ونتيجة لذلك اضطررنا إلى الخضوع لإرادتهم . بعد أن هبط الظلام تبين أن مرشدينا لا يملكون سوى فكرة قليلة عن الطريق ، إذ ما أن سرنا ثلاثة أو أربعة أميال حتى وجدنا أنفسنا نتسلق السدود العالية التي تحيط بالحقول . وكثيرا ما هوت الإبل وهي تعبر هذه السدود ، حتى إن البدو فقدوا صبرهم وتركونا ومضوا في سبيلهم ولم يبق معنا سوى رجل عجوز وصبي صغير نتدبر معهما أمرنا . وما كنت لأهتم كثيرا لو أنهم أخبروا الصبي بوجهتهم وهكذا أعددنا العدة لنتخذ لنا ملاذا وسط الحقول . ولكن على نحو غير متوقع ، صادفتنا امرأة عجوز وعدتنا دون تردد بعد أن أدركت وضعنا