جان لوئيس بوركهارت
51
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
لا يستر عوراتهن شئ . ولا شك أن اللغة النوبية هنا قد أقصت العربية التي لم يعد يفقهها أحد من الفلاحين . ورأيت وأنا أدنو من معسكر الأميرين النوبيين عدة قرى مهجورة ، آثر أهلها ترك حقول القطن التي زرعوها ، وما يرجون من محصولها ، على الرضوخ لطغيان أتباع هؤلاء الحكام الذين رأيت جيادهم وإبلهم ترعى حقول الشعير ، والذين انتزعوا الحصر من البيوت المهجورة وحملوها إلى المعسكر لتستعمل وقودا . وبعد أربع ساعات بلغنا معسكر محمد كاشف تجاه وادى تينارى ، وهو مجموعة من النجوع تقوم حول حصن تينارى المبنى بالطوب ، وهو أهم بقعة في المحس . وكان هذا منتهى رحلتي في الجنوب ، وكنت قد أوصيت دليلي أن يتوخى الحذر في الجواب عن أسئلة محمد كاشف ، فإذا سئل في أمرى فليجب بأن حسن كاشف قد أمره بمراققتى ، ولكنه لا يعلم عن مهمتى شيئا . وهو قول حق ، لأننى لم أتح له قط رؤيتي أدون مذكراتى في أثناء رحلتي . كان الأخوان حسين ومحمد كاشف قد قدما المحس ليحاصرا حصن تينارى الذي استولى عليه ثائر من بنى عمومة ملك المحس . ولما كان الملك حما حسين كاشف فقد وجبت نجدته على حسين ، فذهب في نحو ستين من رجاله . ووجدتهم جميعا معسكرين في أكواخهم على ضفة النهر الغربية تحت أسوار الحصن ، بينما احتل أخوه محمد الضفة الشرقية بعدد مماثل من الرجال . وكان الأخوان يحاصران الحصن من أسابيع ، وقد طلبا من الحامية التسليم غير مرة فأبى رجالها مع أنهم لم يعدوا الخمسة عشر رجلا . وأخيرا فكرا في قطع الماء عنهم ، فأرسلا في طلب زورق من أرقو ، ووقف الزورق على ضفة النهر تحت الحصن مباشرة ، وعلى ظهره رجال مسلحون بالبنادق يحميهم من نيران الحامية غطاء صفيق من جذوع النخيل التي صفت على ظهر الزورق . واستطاع هؤلاء الرجال ببنادقهم أن يمنعوا المحاصرين من استقاء الماء من النهر ، فاضطرت الحامية إلى طلب الصلح . وتعهد لهم محاصروهم بالعفو وسلامة الإياب ، وسلم الحصن في الليلة السابقة لوصولى .