جان لوئيس بوركهارت

46

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

11 مارس - اتجه طريقنا من الدابة جنوبا بغرب ، وكنا نلتزم ضفة النهر ، ويبلغ عرض السهل هنا نحو الميلين ، ولكنه في معظم أنحائه مقفر . ولا يزال النهر غاصا بالجزائر المنخفضة والصخور . وبعد ساعة ونصف بلغنا مجموعة من النجوع تسمى فركة . وفي السهل كيمان من التراب لا شك في أنها من صنع الإنسان كنظائرها التي رأيتها عند قسطل . ويقيم ابن حاكم سكوت ، الذي كنت أحمل إليه خطاب التوصية ، على جزيرة عند فركة . ووقفنا تجاه الجزيرة ليرعى بعيرانا أغصان الطرفاء . ولما كان حسن كاشف قد أنذرنى بأن هذا المكان يجب أن يكون نهاية رحلتي في الجنوب ، وأنه أقصى ما يسمح فيه للخبير بمرافقتي ، فقد أصر الخبير على أن يصدع بأمر سيده . على أن وعدا منى بأن أنفحه بقرشين ، وبملاية من الصوف تساوى قرشين آخرين ، كان كافيا لحمله على مخالفة أمره ، فرضى أن يصحبنى للمحس قائلا « إن لامنى حسن كاشف فسأخبره بأنك أصررت على المضي في طريقك برغم تحذيراتى ، وبأنني لم أر من المروءة أن أتركك تسير وحدك » . وكانت خطتى أن أصل إلى تينارى أهم بلد في المحس ، ومنها أعبر إلى ضفة النهر الغربية ، لأننى علمت أن لولدي كاشف النازلين هناك مركبا تحت تصرفهما . وكنت أنوى في رجوعي أن أزور صاى وكل الأطلال الموجودة على الضفة الغربية . ولما لم يكن لي بحاكم فركة حاجة ، فإنني لم أعرج عليه . ولكن الرجل رآنا راكبين فعدا خلفنا على فرسه مع أحد عبيده ليسألنا من نحن ، وأصر على أن نعود معه لبيته . والامتثال في مثل هذه الحالة أجدى من المقاومة التي لا طائل تحتها . لذلك عبرنا مجرى جافا لفرع من فروع النهر حتى بلغنا الجزيرة ، وهناك وجدنا أهل القرى المجاورة مجتمعين في بيت الحاكم ليصيبوا حظهم من لحم بقرة ذبحت على روح الميت الذي دعينا لنأكل في مأتمه في أدندان . وكان مع النسوة طبل صغير ، أنشدن على دقاته ورقصن إشادة بذكرى الميت . وكان مضيفنا يتلهف على سلب بعيرىّ ، ولولا خطاب أبيه لفعل ، ولأعطانى بدلهما بعيرين هزيلين . وقد اعتذرت له عن ركوبى رأسا دون أن أمرّ عليه بقولي إنني ظننته