جان لوئيس بوركهارت
39
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
ولم أر شبيها لبطن الحجر ووديانه إلا الطريق المحاذى للنيل من أسوان إلى الشلال الأول ، فالساحل الصخرى الذي امتاز به هذا الطريق ، وما تناثر عليه هنا وهناك من شريط الأرض الزراعية الضيق ، تجده بعينه على طول بطن الحجر ، من وادى حلفا إلى سكوت . وعلى مسيرة ساعتين ونصف يقع وادى مرشد . وتفصل الوديان المناطق الصخرية التي تكتنف النهر . وفي وادى مرشد يعود ظهور الجزائر العديدة في النهر ، وعلى جزيرتين منها خرائب من اللبن ، وبرج قديم ، وأكواخ قليلة للعرب . وكان طريقنا من وادى حلفا إلى مرشد يتجه غرب الجنوب الغربى . والنهر بعد مرشد يخلو من الجزائر ، وتقل فيه الصخور ، ولكن مجراه يختنق ، وشطئانه ترتفع . ورميت حجرا فوصل إلى الضفة المقابلة . وبعد أربع ساعات ونصف بلغنا ست الحاجة ، وهي بقعة من الأرض صالحة للزراعة تكتنفها الصخور وفيها مساكن قديمة من اللبن . ولا يسكنها غير أعرابي عجوز يقيم في كوخ بنى على ضريح الشيخة المدعوة بست الحاجة ، ويعيش على صدقة المسافرين . وقد وجدته ممددا على حصير وإلى جواره قلة ماء وإناء من الخزف ألقيت فيه حفنات من التمر . والنهر جنوب هذه المنطقة كثير المنعطفات . وترتفع التلال القائمة على الضفة الشرقية ارتفاعا مطردا ، حتى إذا بلغنا وادى سرس بعد ثماني ساعات ونصف عادت فأصبحت سلسلة منتظمة من الجبال ، وعليها يمتد الطريق من وادى ست الحاجة . وقد أسرع بي دليلي الأعرابي الشيخ واستحثنى في السير خشية أن يهاجمنا اللصوص من عرب الشايقية الذين لا يفتأون يجوسون الأرض ليكمنوا للمسافرين في طريقهم . ولم نصادف في الطريق إلا شراذم من الحجاج السودانيين ، أو التكارنه ( واحدهم تكرورى ) ، لا تزيد الجماعة منهم على خمسة أشخاص أو ستة . وهؤلاء الحجاج البواسل يقصدن دارفور من جميع أنحاء السودان [ الغربى ] ومنها يسيرون إما بطريق كردفان إلى سنار ، وإما رأسا إلى دنقلة . ومن النيل يسلك بعضهم طريق سوا كن ويعبرون البحر الأحمر إلى جدة ، ويتبع بعضهم طريق النيل مخترقين دنقلة والمحس ، ويؤذون فريضة الحج مع الحجاج