جان لوئيس بوركهارت

29

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

بعد رجوعه . وكان طريقنا يحاذى حرجا من النخيل وصفا من البيوت لم ينقطع مسيرة ساعتين . ثم ألفينا الصخور الرأسية تكتنف النهر حتى تلاصقه . وقد لمحت وأنا في أسفل الجبل مدخل حجرة منحوتة في الصخر على ارتفاع ستين قدما أو ثمانين ، ولكني لم أجد سبيلا لبلوغ هذا المدخل ، فالصخرة هناك رأسية ، وقد رأيت مثل هذا قبورا منحوتة في صخرة وادى موسى في إقليم البطراء ، لا يمكن بلوغها إلا إذا ارتقى المرء سلما طوله أربعون قدما أو خمسون . وبلغنا حصن ابريم بعد ساعتين ونصف ، وقد أصبح الآن خرابا يبابا ، فقد اعتصم به المماليك في العام الماضي حين حوصروا ، ثم حاصروا بدورهم جند إبراهيم بك ، وفي غضون هذه العمليات الحربية ضربت الأسوار بالمدافع القليلة التي وجدت في الحصن ، ودك كثير من بيوت القرية دكا . وتقوم إبريم على ربوة صخرية منعزلة تشرف على النهر ، ويحيط بها جبال جرداء لا تصلح لزرع ولا لحرث . وعلى قمة هذه الجبال كثير من مقابر أولياء الأتراك القديمة . والبيوت مبنية بالحجر الرملي ، ومثلها السور الحديث الذي يكتنف المدينة . وعلى الجانب الغربى أطلال تخلفت من السور الأثرى المبنى يأحجار صغيرة منحوتة لحمت بغاية الدقة والعناية ، ويبدو أن السورشيد في عصر الدولة الحديثة . وفي نطاق المدينة خرائب بنائين من الأبنية العامة ، ولعلهما كنسيتان إغريقيتان بنيتا على طراز السور القديم . ويدور المرء حول الحصن في نحو خمس عشرة دقيقة ، ولم أجد فيه من الآثار القديمة سوى عمود صغير من الجرانيت الأشهب . وحصن إبريم والإقليم الذي يتبعه ، والذي يبدأ جنوبي الدر بنصف ساعة وينتهى عند توشكى - ملك لأغا إبريم ، وهو مستقل عن أمراء النوبة ، ولما كان الأهالي معفين من دفع الضرائب سواء لهؤلاء الأمراء أو للأغا نفسه ، فقد استطاعوا بمضي الزمن أن يقتنوا من بيع بلحهم عاما بعد عام ثروة طائلة من النقود والماشية . ولكن المماليك أتوا في أسابيع قليلة على كدّ قرن من الزمان ، وذلك في أثناء تقهقرهم في العام الماضي . فقد أخذوا من وادى إبريم نحو ألف ومائتي بقرة ، واستولوا على جميع ما فيه من غنم وماعز ، وأودعوا السجن وجوه إبريم وسراتها ، وأخذوا منهم