جان لوئيس بوركهارت
18
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
وتقوم وادى عشرا على مسيرة تسع ساعات ، ووادى ديوان على تسع ونصف ، والدر على عشر ونصف . والدر أهم بلد بين مصر ودنقلة ، ولست أذكر أنني رأيت حقولا تلقى الزراعة فيها من العناية ما تلقى الحقول بين كرسكو والدر . كذلك لاحظت أن بيوت الفلاحين هنا أوسع وأنظف من بيوت الفلاحين المصريين . أول مارس - وصلت الدر بعد الغروب ، وأنخت بعيري عند دار حسن كاشف حيث ينزل وجوه المسافرين ، وحيث نزل الأميران المملوكان اللذان أشرت إليهما آنفا . ولما كان الحاكم قد خلا إلى جناح الحريم ، فإنني لم أذهب لأراه ، بل مضيت إلى فراشي بعد أن أبيت إشباع فضول قومه ، وفضول خدم الأميرين ، الذين أمطرونى وابلا من الأسئلة . ولكن ما أصبح الصبح حتى فاجأنى حسن قبل أن أستيقظ ، وأقبل إلى فناء الدار حيث قضيت ليلتي ، بعد أن زار الأميرين . ثم سألني عن غرضى من رحلتي ، وهل أنا تاجر أو رسول موفد إليه من والى مصر . وكان في نيتي قبل أن أعلم بوصول الأميرين أن أزعم أنني موفد من الباشا في مهمة سرية للنوبة ، لأننى علمت من أهل الصعيد أن أمراء النوبة يخشون بأس محمد على ، فهم لا يجرؤون إذن على مسّى بسوء . ولكني حين علمت بوصول المملوكين - وكان حديثي مع الفلاحين الذين بت في بيوتهم في أثناء رحلتي إلى الدر قد أقنعنى بأن الأمراء النوبيين يرهبون المماليك جيرانهم في الجنوب كما يرهبون جارهم في الشمال - حين علمت هذا رأيت أن من الخطر علىّ أن أخفى غرضى الحقيقي من رحلتي . أما وقد شجعنى مالقى مستر لي ومستر سملت من توفيق في رحلتهما ، فقد صارحت حسن كاشف بأنني إنما جئت النوبة سائحا كما جاءها السيدان اللذان سبقانى إلى الدر ، وقدمت إليه في الوقت نفسه خطابات التوصية التي أحملها . ولكن صراحتى لم تغننى فتيلا ، فقد حمل هذا الإفصاح عن نواياى على محمل الخديعة والغش ، وأبى الجميع أن يصدقوا أنني سائح قدمت بلدهم للفرجة فحسب . وكان في إلمامى بالعربية ، وخبرتى بالعادات التركية ، ما حمل كاشفا على الاعتقاد بأنني تركى ، وأنني مبعوث حسن بك والى إسنا للتجسس عليه . وقد زاد في سوء ظن كاشف بي تحريض المملوكين له ، مع