جان لوئيس بوركهارت
370
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
يلقون دائما أشد الإساءة والهوان مع أن أحد منهم لا يدين بفضل للريس ، فقد أدوا جميعا أجرة ركوبهم . وكان السواكنية والملاحون يوسعوبهم سبا وضربا في النهار ويلزمونهم بالعمل في المركب بينما هم جلوس يدخنون في راحة ودعة . وكان النوتية لا يكفون عن سرقة زاد هؤلاء الحجاج المساكين ومائهم ويحشدونهم في مكان ضيق كما يحشد ثلاثة أشخاص في عربة لا تتسع إلا لاثنين . وكان جماعة الملاحين والتجار يخبزون الذرة صباح مساء في فرن صغير على مقدّم المركب ، أما الزنوج فكانوا يصومون النهار كله - لأن استعمال الفرن حرام عليهم - إلى أن يرسوا على البر فيظهوا عشاءهم . ولو تجرأ أحدهم وأخرج ورقة من أوراقه ، أو قرأ صلاة أو كتبها ، لرشه بالماء سواكنى منهم وأتلف له كتابه . وفي سواكن يتعرض التكارنة قبل ركوبهم البحر لمضايقة أخرى ، ذلك أن بعض التجار السودانيين ألبسوا عبيدهم مرات لباس الحجاج تهربا من الرسوم المفروضة عليهم ، فلما عرف عنهم هذا اتخذ الأغا منه ذريعة لتحصيل الرسوم على الحجاج الأحرار زاعما أنهم عبيد متخفون ، فهو يتقاضى من الحاج منهم ريالين حتى ولو استطاع أن يثبت كذب هذه الدعوى . وتغص سواكن بالتكارنة قبل موسم الحج بثلاثة شهور أو أربعة ، ولولا هذه الإساءات التي يلقونها على أيدي السواكنية ، ولولا ما يحفّ الرحلة عبر البحر الأحمر من مخاطر - وكثير منهم تفت في عضدهم هذه الرحلة أكثر من رحلتهم إلى الساحل - أقول لولا هذا لازداد عددهم في سواكن أضعافا . 11 يوليو - كانت الريح مضادة ، فوجدنا أنفسنا محصورين بين الصخور ، ومررنا بحصن أو برج كبير خرب على ميلين من البر . وأخبرني السواكنية أن واليا قديما لسواكن بناه بقرب بئر ، وأنه كان محطة على درب بين القصير وسواكن كان فيما مضى مطروقا . وكنت قد سمعت من أهل الصعيد بوجود هذا الدرب في جبال النوبة من قديم ، وبأن والى سواكن كان يتخذه في سفره من مصر إلى مقر حكمه ، وأضاف السواكنية إلى ذلك أنه كانت تقوم أبراج كهذا البرج عند كل محطة على الطريق . على أنهم لم يعرفوا هذا إلا سماعا ، فإن أحدا منهم لم يسافر بهذا الطريق .