جان لوئيس بوركهارت
362
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
أكثر عاداتهم وتقاليدهم القديمة باقية على نقائها القديم وفطرتها الأولى . فلما بارحت صعيد مصر كان في نيتي الذهاب إلى مخا - سواء من مصوع أو من سواكن - ومن مخا إلى صنعاء عاصمة اليمن حيث أنضم إلى الحجاج اليمنيين في رحلتهم السنوية إلى مكة عبر الجبال ، وكان القيام برحلة كهذه خليقا بأن يسدى لجغرافية بلاد العرب أجل خدمة ، ولعله كان يكشف عن حقائق هامة في تاريخ بلاد العرب . بيد أن ما جمعت في سواكن من معلومات عن حرب الحجاز زهدنى في هذا المشروع ، فقد كانت الطائف آنئذ مقرا لقيادة جيوش محمد على ، وكانت طلائع جيشه على مسيرة أيام جنوبي هذه المدينة ، في نفس الجبال التي كان علىّ أن أسلكها ، وفيها احتشدت كثرة الجيوش الوهابية . ولم يكن عندي بصيص من أمل في النجاة بجلدى من هؤلاء المتهوسين الذين سيحسبوننى لا محالة جاسوسا تركيا ويضحون بي على مذبح انتقامهم . وأمر الأغا ربان السفينة بأن يعفيني من أجرة السفر . وأمر بشئ من البلخ والسكر - وهما أفخر ما في مخازن بيته - يحمل لي زادا في السفينة . وأقلعنا مساء السادس من يوليو . وقد ندمت على ركوب هذه السفينة حين رأيت ما احتشد على ظهرها من جمع غفير . ولكني فهمت بعد ذلك أن كل مركب يبحر من سواكن ابتداء من هذا الوقت لغاية شهر الحج ( وهو نوفمبر ) يغص بالركاب كما غص مركبنا . وكان أصحابي التجار السود هم وعبيدهم من الكثرة بحيث لا يجدون في هذا المركب متسعا ، لذلك قرروا الانتظار حتى تحين لهم فرصة أخرى . وقد بلغوا جدة بعد أن بلغتها بثلاثة أسابيع . وكان لمركبنا - أو على الأصح قاربنا ، فهو لم يزد على ثلاثين قدما أو أربعين طولا ، وعلى تسعة أقدام عرضا في أوسع نقطه - كان للمركب شراع واحد . وهو مكشوف لا ظهر له ولا مظلة . وكان قد وسق ذرة ليحتفظ بتوازنه على الماء . وكانت عدول الذرة « * » مغطاة بطبقات عديدة من الحصر والجلود أعدت مهادا لمائة وأربعة من الركاب بما فيهم الملاحون . ومن
--> ( * ) تنقل الذرة من التاكة إلى سواكن في عدول يؤلف العدل منها حمل جمل ، وفي هذه العدول تشحن إلى جدة .