جان لوئيس بوركهارت

360

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

عفوى المرة بعد المرة . أما حق الأمير في الاستيلاء على جملي فقد أصبح في خبر كان ، ثم قال إنه أعفانى من أداء الضريبة عن عبدي وإن تكن من حقه . وسألني الأغا بطبيعة الحال عن سبب هذا المظهر الذي كنت أبدو فيه . فهذه الثياب التي لم تكن في بداية الرحلة وجيهة ولا فاخرة قد غدت الآن أسمالا بالية . فأجبته أن محمد على باشا أوفدنى لأتجسس على المماليك وأستطلع حالة بلاد الزنج . وأنى اتخذت زي المتسولين لأكون في مأمن من الرقباء . هنالك عظم قدرى في عين يمك . فبدأ يخشى بأسى ويخاف مغبة ما قد أنقل إلى الباشا عن مسلكه وحكمه في سواكن ، وأصبح الرجل غاية في الخنوع والتذلل . وأهداني جارية وحلة من حلله . ولكني رفضت الهدية . وكنت طوال إقامتي بسواكن أختلف إلى داره كل يوم لأصيب عداء طيبا ما كان أحوجني إليه ، ولأنعم بتدخين تبغه العجمي . وكان أهل المدينة يسخرون لتذلل الرجل وتقربه إلى صعلوك مثلي بما خاله مجلبة لرضائى . أما أنا فكان هدفى أن أظفر بالحماية ما دمت في صحبته . وأن أجدد ما فقدت من قوتى ونشاطي بالمشاركة في طعامه الجيد . وأن أقتصد في النفقة لأنه لم يبق معي الآن سوى ريالين . ولقيت فيمن يختلفون إلى مائدة الأغا شريفا كان فيما مضى جابيا للشريف غالب وأغا في مصوّع ؛ وقد ثبّته محمد على أول الأمر في وظيفته هذه ولكنه طرده من خدمته بعد قليل لما ارتكبه من غش وتدليس ، فالتجأ إلى سواكن . وقد عرف الرجل مستر صولت في أثناء زيارته للحبشة ، وأنبأني أن الشريف غالبا كان قد أمره مشددا بأن يمنع الأوربيين - لا سيما الإنجليز - من دخول الحبشة ما استطاع إلى معهم سبيلا . ولم يكن الرجل على علم بحقيقة أمرى ؛ لذلك لم أجد ما يدعوني للتشكك في صحة أقواله . ولم ينس القوم زيارة لورد فالنشيا القصيرة لسواكن ، وكانوا يتكلمون عنها كأنها حدث فريد . وبقيت طوال إقامتي بسواكن مساكنا للتجار الزنوج خارج القيف على الرغم من إلحاح الأغا في استضافتى بداره . وقد عاونتهم على تهريب كثير من عبيدهم إلى المدينة ، فردّوا إلىّ هذا الصنيع بأن أمروا عبيدهم أن يجهزوا لي طرفا من اللحم المجفف آخذه في رحلتي عبر البحر الأحمر .