جان لوئيس بوركهارت
353
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
نسيج وحده قوة وبأسا وجرأة واقتحاما ، وبعد أن ارتكب أبشع الجرائم وقتل نيفا وعشرين شخصا ترك سيده ، وكان ما يزال يبسط عليه حمايته بدافع الخوف منه . ثم لقى العبد حتفه آخر الأمر على يد فتى حاول العبد أن يغتصب أمه . وكنت ذات يوم جالسا مع الأغا فإذا ملاح مسكين يدخل علينا وجنبه يقطر دما من طعنة سيف وهو يستغيث به من حدربى أراد الفتك به ، فأوصاه الأغا أن يفض خصومته مع الرجل بالحسنى ، ثم نفحه بكيلتين من الذرة ليطيّب خاطره . وأهل سواكن - كأهل التاكة - لا يعرفون لقرى الضيف معنى ، وتنتشر هناك المواخير انتشارها في أي ناحية من نواحي النوبة ، ولكني لا أعتقد أن امرأة من الحداربة تجرؤ على احتراف الدعارة جهرا . ولا يملك محال للعطارة بالسوق سوى عاهرات من عتائق الحبشيات . . ونساء القيف سافرات ، أما نساء الجزيرة فيتحجبن ويلبسن لبس النساء في شبه جزيرة العرب . وبالجزيرة مقهى واحد يقضى فيه أهل المدينة والحداربة أهم مصالحهم ويؤدون ثمن القهوة ذرة . ووسيلة الانتقال بين القيف والجزيرة الطوف أو الرمث ، ويعطون الرجل الذي يديره حفنة من الذرة ، ولكن السواكنية ضنينون حتى بهذا الأجر الضئيل ؛ فترى الرجل منهم يخلع ثوبه ويعقده مع خفيه وسيفه فوق رأسه ثم يعبر القنال سانحا كما يعبر المصريون النيل . ولم أر سباحين أحذق منهم ولا أبرع ، وهم أمهر ما يكونون في الاحتفاظ بالجسم حتى قمة الكتف منتصبا في الماء بينما يسبح الرجل بأطرافه السفلى كأنما يمشى على أرض ثابتة ، ولا تكاد سرعته في السباحة تقل عن سرعة السائر على الأرض « * » . والبشارية هي لغة الكلام الغالبة في سواكن ، أما العربية فيتكلمونها بلهجة سقيمة مع أن أهل القيف جميعا يفهمونها ، ولكن أهل المدينة يتكلمونها بوصفها لغتهم القومية ، وينطقونها بلهجة أهل جدة . وقد رأيت بين جيرانهم الهدندوة الذين يجلبون لسوق القيف السمن والغنم كثيرين يجهلون العربية جهلا مطبقا .
--> ( * ) يسمى هذا الضرب من السباحة في بحيرات سويسرة « دوس الماء » Das Wasser Stampfen