جان لوئيس بوركهارت
346
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
للأقطار الأخرى . ويؤدون عن كل عبد ريالين وعن كل جواد ثلاثة . ويعفى من المكوس الذرة وغيرها من السلع التي تبقى في سواكن . ويجدد تعيين الأغا كل عام أو يعين غيره . والأغا الحالي رجل من أهل جدة يدعى يمك كان أبوه حاجا موصليا استوطن الحجاز ، وكان يمك ، على عهد الشريف ، مهرج القصر وسمسارا بسوق جدة ، فلما وصل محمد على استطاع الرجل أن يتودد إلى العثمانيين بما يعرف من تركية قليلة ، وبعد أن استخدموه وسيطا بينهم وبين الشريف وعينا عليه قلدوه وظيفته الحالية . وحدّث عن لؤم الرجل ولا حرج ، وقد زاده اصطناع العادات والتقاليد التركية في بلد كسواكن هزءا على هزء ، فتراه يخلع على أتباعه الصعاليك الألقاب التي يخلعها الباشا على كبار موظفيه ، فهذا خازنداره ( أي أمين بيت ماله ) وذاك سلحداره ( أي حامل سلاحه ) وثالث قهوجى باشا ( أي حامل كأسه ) ورابع باشكاتبه ( أي كبير كتابه ) وهلم جرا . ثم هو بحيط نفسه بالغلمان كأنهم صغار المماليك ، ويتكلم في زهو وخيلاء وأبهة كأنه وال جليل القدر عظيم الخطر ، ويخلط عربيته السوقية ببعض العبارات التركية . ويحتفظ الأغا بخمسة جنود أو ستة من مرتزقة اليمن الذين تجدهم عند شريف مكة وغيره من أمراء العرب ، ويدفع لهم رواتبهم من ماله الخاص ، وليس لسواكن حامية سواهم ، ومن هنا يسهل غلى القارئ أن يدرك عدم احتفال القوم هنا بسلطان الترك . ولا يجرؤ هؤلاء الجند على الخروج من الجزيرة مخافة أن يشتموا ويهانوا ، أما الأغا فلا يطأ القيف لأسباب واضحة ، ذلك أنه إذا وقعت معارك تدخل الحدارية واضطر الأغا إلى كف يده . ولا يؤدى البدو من المكوس إلا نصف ما يؤديه غيرهم من التجار ، وطالما سمعتهم يقولون للأغا صراحة إنهم لن يدفعوا له أكثر مما دفعوا . وكثيرا ما يكون حظ الجند الذين يأمرهم الأغا بالبقاء في المراكب الراسية تحت نوافذه لمراقبة المهربين « علقة طيبة » ، بل إن الأغا نفسه قد يسب في عقر داره ، ولكنه يحتمل هذا كله راضيا ، ويقول للقوم إنه لولا حبه لهم لكتب أشد الشكاوى وأعنفها إلى الباشا فجلب غضبه على رؤوسهم . ومن عجب أن يهينه البدوي منهم فما إن يولى قفاه حتى يأخذ صاحبنا في سبّه