جان لوئيس بوركهارت
344
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
السلطان سليم بعد فتحه مصر لتعسكر في سواكن كما أرسل غيرها من الحاميات لاحتلال أسوان وإبريم وصاى . ويزعم كثير منهم أن أجدادهم من ديار بكر والموصل ، ولكن سلالتهم الحالية تتميز بالسحنة والطباع الإفريقية ، ولا يمكن أن تفرق بينهم وبين الحداربة في شئ . كذلك تجد في سواكن التجار والربابنة واللاجئين وغيرهم ممن انحدروا من مستعمرين أحدث عهدا من الأولين ، ولكنهم نسوا التركية من زمن مديد ، وتربطهم اليوم روابط المصلحة ووشائج الدم بأسلال الوافدين من حواضر العرب - وهم هنا كثيرون ، وزيهم زي حضر الحجاز وطباعهم وعاداتهم هي طباع أهل الحجاز وعاداتهم . وعلى ذلك تجد في سواكن سلالتين متميزتين ( 1 ) البدو من حداربة وهدندوة الخ . . بما فيهم أحفاد الترك القدامى ( 2 ) الحضر ، وهم إما عرب من الساحل المقابل أو ترك محدثون . ويتزاوج البدو فيما بينهم ، ولكن يصعب على الحضري أن يتزوج بدوية لأن بنات الأسر الكبرى لا يزوجن إلا للبدو . ويسكن البدو ضاحية القيف . أما الحضر فيسكنون الجزيرة . وزمام سواكن في يد أمير الحداربة ، ويختار من كبريات أسر القبيلة وعددها خمسة ، ويميزونها عما عداها من الأسر بكلمة « أرتيقة » وهي كلمة بشارية تعنى الأشراف . وقضاء القيف موكول إلى الأمير ، ولكن سلطانه على البدو ضعيف وإن رأس محاكمهم . وهو تابع لباشا جدة اسميا ، غير أن سلوكه رهن بقوة متبوعه أو ضعفة . فحين كان أمر جدة إلى الشريف غالب - وكان الوهابيون آنئذ يشددون عليه النكير ويحدقون به من كل جانب - كان الأمير مستقلا عنه تمام الاستقلال ، أما بعد أن فتح محمد على والى مصر الحجاز فقد فاوض الباشا وأبرم معه اتفاقا . ويثبته حاكم جدة - أيا كان - في مركزه سنويا ويخول له السلطة في أن يجبى من القيف المكوس التي يفرضها الحدرابة على القوافل القادمة من الداخل . ولقد مضت عليه أعوام لم يدفع فيها للشريف شيئا نظير هذا الامتياز ، أما اليوم فإن خوفه من محمد على باشا قد حمله على شراء حق الجباية سنويا بنحو أربعين أوقية من الذهب أو ما يعادل 800 ريال إسبانى .