جان لوئيس بوركهارت

318

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

من بواعث ارتياحى أن أفسد عليها ألاعيبها فتذهب محاولاتها كلها أدراج الرياح . وكنت في مقامي بهذه القرية - كما كنت في مقامي بشندى - أبدو للناس غاية في التقوى والورع ، مقلدا جهد استطاعتي الفقهاء الذين يجهلهم أهل هذه البلاد لاشتهارهم بالعلم الغزير والخلق الكريم ، وتلك في الحق شيمة هذه الطائفة بوجه عام ، وإن كان معروفا أن من أفرادها جماعة لا خلاق لهم ، وأنهم في كل ما يعملون منافقون . ولعل إيمان القوم بالخرافات واحترامهم لدين يزيده رهبة وجلالا جهل الأكثرين بتعاليمه ، ولعل خوفهم من التعاويذ والرقى ، وما يبديه كل فقيه نحو أخيه الفقيه من احترام وإكبار ، أقول لعل هذا كله أعان على احتفاظ الناس باعتقادهم القديم ، وهو أن الفقيه إنسان يمتاز عن سائر الخلق بالفضيلة والتقى ، فإذا بدا منه نقيض ذلك لم يجرؤ منهم أحد على اتهامه بالمعصية وإلا انقلب عليه رجال الطائفة كلها وناصبوه العداء ، وتلك حال العلماء في تركيا وشبه جزيرة العرب ؛ فأخلاقهم معلومة للناس حق العلم ، ولكنهم برغم ذلك ما برحوا متمتعين بالسمعة الطيبة لأن أحدا من الناس لا يريد أن يكون البادىء بمناوأتهم ، زد على ذلك أن الحكومة تبسط عليهم حمايتها لأنها تتوسل بهم لاسترقاق جماهير الناس وتوجيه الرأي العام . وقبل أن نغادر التاكة بيومين روعنا نبأ أتانا من سواكن ومفاده أن رجلا من التاكة قتله أحد الحداربة بتلك المدينة . وقد تدارس الهدندوة الأمر وفكروا في حجز جميع أفراد القافلة حتى يتبين لهم الأمر ، ولعلهم كانوا فاعلين لولا أن بدويا آخر خف إلينا بنبأ ثان هو أن السواكنى دفع دية القتيل ففض النزاع على هذا الوجه وسويت المسألة .