جان لوئيس بوركهارت

298

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

أمره حين أصبت بالرمد مرتين في الصعيد ، فإنني لم أصدق عيني ، لذلك سألت رفاقى عن هذا الذي يبدو فوق التل كأنه بناء ، فقالوا ألا ترى أنه كنيسة ( وهو لفظ كثيرا ما يطلقه المصريون على المعابد المصرية القديمة التي ينسبونها للمسيحيين ) ، وهي بلا شك من صنع « الكفار » ، ومضينا نحو التل وحططنا على مسيرة ساعة منه . وما إن نزلنا عن جمالنا ورتبنا متاعنا حتى انطلقت صوب التل وبي شوق لفحص هذا الأثر الإثيوبى ، ولكن صيحة عالية من السواكنية ردتنى على عقبى . قالوا « إن المنطقة كلها ينبث فيها فلاحو قوز رجب ، ولن تستطيع السير وحدك مائة خطوة حتى يهاجموك » . والواقع أننا رأينا أشخاصا مريبين يختبئون بين الأشجار التي تحف ضفاف النهر بعيدا منا . وأضاف أصحابي أن التل موطن للصوص الهدندوة ، فهم يسكنون مغاوره ، وهم في حرب مع جيرانهم أجمعين ، ولما لم يكن لهم في خداعى مصلحة فقد صدقت تحذيرهم وعدت أدراجى ، لا مطلقا فكرتى بل مؤملا أن أستطع في الغد تدبير زيارة لهذه الآثار في صحبة بعض الأهالي الذين قد يوافوننا للبيع والشراء . وصح عزمي على هذه الزيارة مهما كلفتنى ، ولكنني لم أستطع لسوء الحظ أن أحقق هذا الأمل ، ولن أغتفر لنفسي هذا التردد الذي منعني ساعتها من زيارة أهم أثر صادفته في رحلتي هذه . عبرت جماعة منا النهر إلى قوز رجب لتستطلع حالة السوق ، ثم عادت بعد الغروب بساعتين ، وكنا نتأهب للنوم « * » . وإذا رئيس القافلة يقبل علينا وهو يصيح « استعجلوا يا ناس الجلابة ساقت إذا قعدنا يقتلونا ياللّه دلوا قربكم وشدوا على جمالكم » في مثل هذه الحالات تطغى رغبة المحافظة على النفس على كل رغبة سواها . وهكذا نسيت المعبد مؤقتا وعدوت إلى النهر بقربتين بينما تولى غلامي إعداد الجمل ، فما إن عدت بقربتى الممتلئتين حتى وجدت رئيس القافلة قد رحل . وتفسير ما حدث أن الغريق الذي ذهب إلى قوز رجب ترامى إليه سرا أن جماعة كبيرة من البشاريين اعتزمت أخذنا على غرة ، فأصبح من الحكمة أن ترحل القافلة لساعتها لأن في عبورنا النهر ليلا للاحتماء بقوز رجب مشقة أي مشقة ، ثم إننا قد نحاصر فيها إذا التجأنا إليها ويطول علينا الحصار . لذلك مضينا على ضفة النهر في صمت ، ومررت

--> ( * ) إذا مرت القافلة بإقليم يهددها فيه الخطر قام المسافرون كلهم بالحراسة على نوبتين ، ففريق يحرس حتى منتصف الليل وآخر من منتصف الليل إلى الصباح .