جان لوئيس بوركهارت

283

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

بكرت قافلة سواكن في القيام صبيحة 17 مايو وجاوزت حدود المدينة قبل أن أفرغ تماما من تحميل جملي ، وببنما كنت مشغولا بمهمتى هذه نمى إلى نفر من الدراويين أنني معتزم الرحيل فجاءوا ليصبوا علىّ جام غضبهم لأننى أحبطت تدبيرهم وأفسدت عليهم مكرهم السئ . غير أنهم جاءوا بعد فوات الفرصة ، فقد كنت أبعد من أن ينالونى بأذى ، ورافقني العبابدة مسافة قصيرة بعد المدينة ثم ودعتهم وداعا حارا ، ولا عجب فهم منذ غادرت مصر تقريبا أصحاب الفضل في المحافظة على سلامتى ، سواء بحمايتى أو بالتدخل بيني وبين خصومى ومناصرتى عليهم . على أن معروفهم ما كان لينتهى بعد ، ذلك أن عبدا من عبيد المك تبعني وأنا أغادر المدينة . ولما ودعت العبابدة - والقافلة تسبقني بنحو نصف ميل على السهل - كان العبد يلازمنى كظلى ، ولاحظ ذلك منه أحد العبابدة ، ورأى أنه يحمل سلاحا فارتاب في أمره ، وقفل راجعا إلينا من فوره فأدركني في الوقت المناسب وأنقذنى منه . وكان العبد يقفونى ليأخذ منى غدارتى « * » عنوة مع أنه كان يصيب من طعامنا كل يوم تقريبا في أثناء مقامنا بشندى ، ولعله خالنى أوثر التفريط فيها على العطل وخطر التخلف عن القافلة ثم اللحاق بها منفردا . وكان العبد قد أمسك بمقود جملي وطلب إلىّ أن أسلمه السلاح ، ولكن العبادي لحق بنا وعنفه على مسلكه هذا أشد تعنيف . وفي العصر وصلنا إلى الحصاة ، وهي قرية واقعة بعد مصانع ملح بيوضة ، وسهلها غير بعيد من المكان الذي حططنا فيه ظهر وصولنا شندى . 18 مايو - مكثنا اليوم كله مخيمين بالحصاة ، ولحق بنا في العصر نفر من تجار سواكن وشندى جاءوا مودعين أصحابهم . وكان أعراب الجعليين يحومون ليتخطفوا ما استطاعوا من إبلنا التي ترعى أوراق السنط في حراسة العبيد ، فاضطرنى هذا إلى شدة اليقظة في المحافظة على جملي . وفيما أنا أيمم به أحراج السنط الكثيفة لقيت خرائب مبان قديمة بقرب النهر الذي تعلو ضفتاه هنا علوا كبيرا . وهذه الخرائب أسس حجرية للبيوت وجدران من الآجر . ويبدو أن الأسس لبيوت متوسطة الحجم ، وقوامها كتل من الحجر الرملي ، طول الكتلة منها

--> ( * ) عبيد المك دون غيرهم هم الذين يباح لهم حمل أسلحة سيدهم النارية أحيانا .