جان لوئيس بوركهارت
271
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
ولقد جمع مستر براون خلال العامين اللذين أقامهما بدارفور معلومات ثمينة عن بلاد الزنج المحيطة بهذه المملكة ، ولكن الشك لا يخامرنى في أن أهل دارفور لم يسيئوا به الظن إلا بسبب إمعانه في السؤال والتقصّى . ولو أتيح له أن يغادر دارفور ويجوب غيرها من أنحاء السودان لوقع له مثل هذا ولانتهى الأمر بحبوط مساعيه وإخفاق خططه . ولست أقول هذا غضا من شأن مستر براون ، فإن كفايته وجلده قل أن يجتمعا لرجل ، وإنني لأذكر له صداقته أبد الدهر ، وأعزو كثيرا من الفضل في توفيقي إلى نصائحه الغالية . إنما سقت هذه الملاحظات لمن يخلفوننى في هذا العمل . فحين خرج مستر براون في رحلته إلى دارفور لم يكن له هذا العلم الذي حصله فيما بعد بالعربية وطباع العرب . فلما لم يستطع الظهور بين القوم في زي المشارقة لم يحاول إنكار أورپيته ، لأنه رأى - وكان في رأيه على حق - أن من الخير له أن يحتفظ بجنسيته ، مهما قل احترام القوم لها في هذه الأصقاع ، عن أن ينتحل ملابس الوطنيين وعاداتهم هذا الانتحال الأعرج فيعرض نفسه لأوخم العواقب ولخطر الكشف عن سره بين ساعة وساعة . ولكنه كان يستطيع - حتى في صفة الأوربى - أن يكون أكثر إطمئنانا على نفسه لو أنه اتخذ التجارة مهنة بدل الطب ، فالطب مهنة لا عهد لأهل هذه البلاد بها . وفي أثناء مقامي بأسيوط عرفت رجلا رأى مستر براون بدارفور - وكان هذا قد أقام ببيت أخيه ردحا من الزمن - وروى لي أن مستر براون كان طوال رحلته من أسيوط إلى دارفور مشتغلا بتدوين الأحداث اليومية وبالاستفسار عن أسماء ما يلقى في الطريق من نجاد ووهاد ، وأنه كان لديه قطعة من الرصاص يكتب بها فلا تنضب . ثم قال إن « سلطان الإنجليز » لابد أوفده لتجسس الإقليم ، فلما أدرك ملك دارفور أنه لم يأت إلا مستطلعا كفه عن التجول في أنحاء البلاد . وقد أكدلى الرجل البيانات التي ذكرها مستر براون عن نفسه وهو بدارفور ، وهي حقائق لا يمكن أن يتطرق الشك في صحتها إلى من عرف أمانته وصدقه . ولقد شعر هذا الصديق الراحل - الذي بذل نفسه في سبيل الحقيقة والعلم فكان أطهر قربان وأكرم ضحية - أقول إنه شعر بأن تدوينه المذكرات جهرة كان العقبة