جان لوئيس بوركهارت
263
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
قد يبلغون - إذا تهيأ لهم التعليم الصحيح - مرتبة تدانى مرتبة البيض إن لم تساوها . وأجسام العبيد على مغالبتها للتعب ليست أشد من أجسام الأوربيين ولا أصلب ، بل إن الشواهد تحملني على الاعتقاد بأنهم في جملتهم أكثر تعرضا للمرض من الأوربيين ، ولست أشك في أنهم أقل احتمالا له وصبرا عليه حين يقعون فريسة له . ومن العبارات المألوفة عن الجلابة قولهم إن الضربة ( أي المرض ) التي لا تهز عربيا قد تصرع عبدا . وأكثر العلل تفشيا بينهم الحمى المصحوبة بالالتهاب ، ويستهدف لها كذلك أهل شندى . وهم يعالجونها بالحجامة على الساقين وبشرب نقيع النمر الهندي ، ولكنها تفتك بكثير من العبيد لا سيما الذين أعياهم طول السفر ووعثاؤه . ولعل السبب الأول في هذا تعرضهم لتيارات الهواء وهم يتصببون عرقا ونومهم الليل كله عراة . وسمعت منهم كثيرين يشكون مرض الصفراء ، ولعل سببه الإفراط في تعاطى البوظة الشديدة التخمر . وتتفشى البواسير على نطاق واسع بين الأهالي ، وهي أقل تفشيا بين العبيد ، ولا دواء لها عندهم غير الكىّ بالحديد المحمى . وأول ما رأيت الفرنتيت ( أو دودة غانة الأصيلة ) في شندى ، ولكنها معروفة أيضا للعبيد وتجار السودان الذين يفدون على الصعيد . ويلوح لي أنها منتشرة في السودان ، وقد رأيتها في شبه جزيرة العرب كذلك . وهي حين تعلق بالجسم لا تتخير الساق دون غيرها ، فقد رأيتها تخرج من الذراع ومن الصدر ومن الركبتين ، ولكن أحب أعضاء الجسم إليها سمانة الرجل . والإصابة بها في شندى أقل منها في كردفان ودارفور ، ويصاب بها عدد كبير من العبيد والجلابة الوافدين من هذين القطرين . وهي وإن سببت للمصاب بها آلاما مبرحة لا تمنعه من المسير حتى يشرف على الموت . وقد أروني نفرا أصيبوا بها مرات ، ولكن الحظ حالفهم فيها كلها ففطنوا إلى الدودة وهي تحاول اختراق جلودهم واستطاعوا بشئ من الأناة والصبر أن يستلوها . ولا تفتك الدودة بإنسان إلا إذا عجز عن سلها من جلده أو مزقها وهو يحاول سلها ، ولكن