جان لوئيس بوركهارت
259
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
الغرض « * » . لذلك لا يدخر الجلابة جهدا في محو هذه الفكرة والقضاء عليها ، ولكنهم برغم ذلك لا يفلحون في اقتلاعها من رؤوس العبيد . وشئ آخر يفزع منه العبيد هو حيوان ضئيل وثاب يزعمون لهم أنه سيعيش على جلودهم ويمتص دماءهم ولا يدعهم ينعمون بالراحة ولو لحظة واحدة . وهم يعنون البراغيث ، وهي حشرات لا عهد للقوم في قلب السودان بها ، ويروون عنها أغرب الروايات حين يحصون الفضائل التي تميزت بها بلادهم على أرض مصر . غير أن بلادهم تحفل بحشرات أخبث من البراغيث وأشنع . وأخوف ما يخافه الغلمان أيضا أن يطوّشوا في مصر حين يبلغونها . وللغلمان العبيد مطلق الحرية في نطاق حيشان البيوت ، أما الكبار ممن لا يطمئن سادتهم إلى طباعهم أو ممن يجهلون أخلاقهم فيحبسون ويراقبون بل ويوثقون بالأغلال في كثير من الأحيان . ويربط العبد في أثناء الرحلة إلى قائمة طويلة يشد أحد طرفيها إلى رحل الجمل ويحيط طرفها الثاني - وهو على شكل شوكة - بعنقه من الجنبين ويربط خلفه بحبل متين يمنعه من إخراج رأسه من محبسه . ثم تشد يمناه إلى القائمة على مقربة من رأسه ، فلا يبقى طليقا من العبد غير ساقيه ويسراه . ويمشى خلف الجمل على هذا النحو سحابة يومه ، أما الليل فيقضى سواده راسفا في الأغلال بعد أن يفك من القائمة . وقد رأيت في رحلتي إلى سواكن عبيدا كثيرين يساقون على هذا النحو ، وكان الجلابة يخشون أن يهربوا أو أن يثأروا لأنفسهم منهم . وهكذا يظل العبد حبيسا مغلولا حتى يشتريه سيد ليقتنيه ، فيترفق به اجتلابا لمحبته وولائه ويخشى الجلابة على العموم مغبة غضب العبيد وسخطهم ، وإذا أراد أحدهم أن يجلد فتى منهم وضع الأغلال في يديه ورجليه أولا .
--> ( * ) حين كنت بصعيد مصر حدث حادث غريب أسوقه دليلا على تسلط هذه الفكرة على عقول السود . ذلك أن رجلا من علية القوم اشترى بأسيوط فتاتين من قافلة دارفورية ، ثم دعا نفرا من أصحابه ليقضوا معه عصر يوم في مغارة لطيفة الجو من مغارات الجبل الواقع خلف أسيوط . وأمر الرجل الفتاتين أن تصحباه ، ولكن ما إن دخلتا المغارة حتى توهمتا أنها المكان المعد لذبحهما . ولما رأتا المدى التي جئ بها لتقطيع اللحم الذي سيأكله القوم حاولت إحداهما الفرار فأطلقت ساقيها للريح ، ووقعت أختها على الأرض تضرع إليهم ألا يذبحوها . واقتضى إقناع الفتاتين بفساد هذه المخاوف وقتا غير قليل .