جان لوئيس بوركهارت

256

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

وأغلب أهلها من القبط . وكان يقوم بهذه العملية يوم ألممت بهذا البلد راهبان قبطيان قيل لي إنهما فاقا كل من سبقهما حذقا لصناعتهما ، وكان لهما بيت يستقبلان فيه الضحايا . وهذه الصناعة يمقتها القوم ويزدريها حتى سفلتهم ، ولكن الحكومة تبسط على الراهبين حمايتها لأنهما يؤديان لهن إتاوة سنوية . أما أصحاب العبيد فإنهم يجدون في الأرباح الطائلة التي تدرها عليهم هذه العملية الوحشية ما يغريهم بالرضى عن عمل قد ينفر منه أكثرهم ويستهجنونه في دخيلة نفوسهم . والعملية على غرابتها وشذوذها يندر أن تفضى إلى موت العبد . وأنا أعلم على التحقيق أنه لم يمت من بين ستين غلاما خصوا في خريف عام 1813 سوى غلامين . وقد أكد لي كل من سألته بأسيوط أن هذه النسبة أعلى من المعدل ، إذ قلّ أن تزيد نسبة الوفاة على اثنين في المائة . ولم تتح لي فرصة مشاهدة هذه الجراحة لأنها تجرى لأكثر الغلمان حال وصولهم أسيوط في قوافل دارفور وسنار ، ولكني سمعت وصفها من فم شهود عيان كثيرين . ويتفاوت عمر الغلمان الذين يقع عليهم الاختيار بين ثماني سنوات واثنتي عشرة لأن المتقدمين عن هذه السن قد تقضى الجراحة على حياتهم « * » . ولا يختار للخصى من الغلمان إلا أصلبهم عودا وأوسمهم خلقة ، ولكن الجراحة تترك على قسمائهم أثرا يبدو واضحا حين يكتمل نموهم . وحين تأملت الخصيان الذين لقيتهم بالحجاز ألفيت لهم وجوها تجردت من اللحم أوكادت ، وعيونا غارت ، ووجنات برزت عظامها ، وسحنات عجفاء تستطيع بنظرة واحدة أن تحكم بأن أصحابها مخصيون . ويبلغ ثمن الغلام بعد أن يجوز هذه الجراحة بسلام ألف قرش في أسيوط ، وقد يكون سيده ابتاعه بثلاثمائة قبل أسابيع ، وأدى للجراح القبطي أجرا يتفاوت بين خمسة وأربعين قرشا وستين . وفي هذا الربح الفاحش الذي يصيبه الجلاب من صفقته هذه ما يكفى للقضاء على كل عاطفة للرحمة قد ينبض بها قلبه . ويخصى في كل

--> ( * ) أورد المؤلف في ص 330 فقرة باللاتينية تصف الجراحة وقد حذفناها ، ونحيل من أرادها على الأصل . ( غربال )