جان لوئيس بوركهارت
254
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
ذلك هو المصير الدى يلقاه هذا التعس المنكود ، وفي حالات كثيرة تتناقله أيدي السادة بأسرع من هذا . فقد رأيت في شندى وإسنا عبيدا بيعوا واشتروا في السوق مثنى وثلاث قبل أن ينقلوا منها نهائيا ، وقد يعرضهم سيدهم بعد ذلك للبيع مرة أخرى أو يستبدل بهم غيرهم إذا جربهم أياما فألفاهم على غير ما يشتهى . والواقع أنه لا فرق بين الرقيق وسائر السلع ، وعلى ذلك لا يفتأ الأرقاء ينتقلون من تاجر إلى تاجر . والقوم يسمون الرقيق رأسا ، كأنه من الأنعام ، فيقولون فلان يملك عشرة رؤوس من الرقيق « * » ، كقولهم إنه يملك خمسين رأس غنم . وإذا طلبوا إلى المشترى أن يمضى بالعبد قالوا له « سوقه » ، وهو لفظ لا يستعملونه إلا للأنعام ، فيقولون مثلا « سوق الغنم قدامك » . وبين العبيد الذين شهدتهم معروضين للبيع بشندى أطفال كثيرون في الرابعة أو الخامسة بغير والديهم ، ولكنك تجد بالسوق أيضا أطفالا في هذه السن تصحبهم أمهاتهم . ويبدي الجلابة من الشفقة عليهم ما يمنعهم من بيع الأطفال منفصلين عن أمهاتهم إلا نادرا ، فإذا أتى أحدهم هذا الأمر استحق لوم الجميع على قسوته . ويحرص الجلابة حين يشترون العبيد على التأكد من جنسهم ، فقد تعلموا بالتجربة أن أفراد الجنس الواحد لا تختلف طباعهم إلا قليلا . فعبيد نوبا المجلوبون من سنار أدمث العبيد طباعا بعد عبيد الحبش والجلا فيما يقال ، وهم أشدهم تعلقا بسادتهم وإخلاصا لهم . أما الحبش فالشماليون منهم - ويسمون القسطانيين - عرف عنهم الخبث والخيانة والغدر ، في حين يؤثر عن الأمارة اللطف والوداعة ، وأغلى الزنوج الغربيين عند الجلابة هم أهل بندا ، ويليهم العبيد المجلوبون إلى دارفور من قطر إسلامي يدعى برقو يخطف أهله جيرانهم الوثنيين . ويقال إن العبيد المجلوبين من فرتيت متوحشون محبون للثأر والانتقام ، ومرتبتهم أحط مراتب العبيد . وندر بين العبيد المجلوبين إلى شندى من لم يقض في الرق أمدا طويلا ، وآية
--> ( * ) في إقليم سنار لا يسمون العبد عبدا بل رقيقا .